وقال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65/ 66] ، (فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر [1]
والدليل على هذا أيضا تسمية المرتدين جاحدين للزكاة، وقد كفر الصحابة بالإجماع مانعي الزكاة بمجرد المنع دون تقييد ذلك بالإقرار أو الجحود. وقد ذكر عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: (والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحدا لها، هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما:"والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها" [2] ، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد وجوبها، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة) [3] . وهو المراد أيضا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله: (وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة [4] فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب [5] كما أمر الله [6] .
(1) مجموع الفتاوى (7/ 220) .
(2) وهذا دليل على أن بعض المانعين لم يمتنع عن أدائها مطلقا، وإنما امتنع عن أدائها للصديق رضي الله عنه.
(3) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (8/ 131) .
(4) شبهة سائغة في الإنكار وعدم الاقرار.
(5) هذا تفريق بين القتال والتكفير فتنبه لدقة العبارة.
(6) مجموع الفتاوى (28/ 513) .