وحكم الاستحلال أنه كفر أكبر: لقوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) [التوبة: 37] ، ولاتفاق الصحابة -ومنهم عمر بن الخطاب- في قضية قدامة بن مظعون على أن أنه إن استحل الخمر قتل مرتدا [1] .
وقال شيخ الإسلام في ساب الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن اعتقاد حل السب كفر سواء اقترن به السب أو لم يقترن [2] ، ولذلك كان الإستحلال كفرا.
( ... إلا أن حصر الكفر في الإستحلال يقتضي أن لا يكفر أحد، يقول أنا غير مستحل وأنا أعتقد أن هذا حرام مهما عمل من المكفرات حتى من سب الله ورسوله، وأهان المصحف ونجس المسجد [3] ، ونصر الكفار على المؤمنين وشرع الكفر بكل أنواعه، ما دام لم يصرح بالاستحلال أو صرح باعتقاد أن ذلك حرام في الشرع( ... ) .
وهذا فأكثر كفر الخلق هو من جهة الإباء والاستكبار وترك الانقياد والإتباع، لا من جهة اعتقاد أن الكفر حلال، فإن أكثر المتدينين في العالم يرتكبون المحرمات في دينهم ولا يقولون نعتقد أنها حلال، فكيف إذا ارتكبوا الكفر؟ ( ... ) كما أن حصر الكفر في"الاستحلال"قد لا يلزم حتى على مذهبهم، وذلك لأن كلمة"الاستحلال"لا تدل على اعتقاد حل محرم، إلا بحسب الاصطلاح، أما في اللغة بل وفي كلام الشرع فإن المستحل هو المستمرىء للحرام الذي لا يعبؤ بالتحريم ولا يبالي به كما قال صلى الله عليه وسلم (يستحلون الحر والحرير ) ) [4] .
وإليك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في نفس الأمر: (وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالإتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم، عاقبه وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو اتباعا لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله
(1) ابن حجر العسقلاني (فتح الباري 13/ 141) .
(2) الصارم المسلول (522،521) .
(3) ليست من المكفرات بخلاف إهانة المصحف وسب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
(4) ظاهرة الإرجاء (2/ 716،715و 720) .