ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول أنا لا أقر بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع بل عقوبته أشد) [1] .
ولما كان الإيمان والكفر عند المرجئة [2] محلهما القلب [3] فقط، قالوا بأن الكفر لا يكون إلا بالجحود أو الإستحلال [4] ، (وذلك لأنهم لما رأوا ما جاءت به النصوص الشرعية في تكفير من عمل الكفر أو ترك العمل لا تستقيم مع حكمهم بإيمان تارك العمل وعدم ثبوت الكفر بالعمل الظاهر، ذكروا بأنها واردة في المستحل لذلك أو الجاحد للوجوب.
والمرجئة لما حصروا الكفر في الاستحلال خرجوا عن الأصول الثابتة لأهل السنة والجماعة، وذلك لأن الكفر يكون بالاعتقاد في القلب [5] ، ويكون بالقول باللسان ويكون بالعمل الظاهر، (فتعميم القول بأن تارك الواجب لا يكفر إلا بالجحد( ... ) دون تفريق بين ما يخل بأصل الإيمان وما يخل بالإيمان الواجب هو قول غلاة المرجئة ( ... ) وإنما كفر السلف من قال إنه لا يكفر بترك هذه الواجبات إلا الجاحد، لأن ما دل الدليل الشرعي على كفر فاعله (من ترك واجب أو فعل محرم) ، فلا يجوز تقييد كفره بجحد واستحلال، وذلك بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ( ... ) فمن امتنع من تكفير هذا حتى يجحد فقد رد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الملة كما قال أحمد بن حنبل، ومن رد أمر الله ورسوله فقد كفر) [6] ...
يقول شيخ الإسلام: (ونحن إذا قلنا أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنوب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني(الأركان) ففي تكفير تاركها نزاع مشهور) [7] ، ولهذا حكم الشارع بكفر تارك الواجبات الداخلة في أصل الإيمان سواء جحدها صاحبها أولم يجحدها، كما أن
(1) الصارم المسلول (522،521) .
(2) المرجئة وأهل السنة والخوارج يعتقدون أن الإيمان والكفر محلهما القلب، ولكن يختلفون في تفسير الإيمان وتفسير الكفر، وعامة إخواننا لا ينتبهون لهذا ويردون على المخالفين بطريقة مخطئة حين ينفون هذه الأقوال الصحيحة، والصواب نفي معانيها الباطلة لا نفيها مطلقا ....
(3) والصواب أن الظاهر لا يمكن أن يكون كافرا ويكون الباطن (القلب) مؤمنا، لكن ليس عمل الباطن فقط هو التصديق ليكون ضده التكذيب، بل القلب يتابع ويحب ويكره وله إرادات فيكون كفره كفر إعراض في الباطن ...
(4) قولهم بقصر الكفر على الجحود والاستحلال ليس لأنهم يقولون بأن الإيمان والكفر محلهما القلب، ولكن لقولهم إن الإيمان هو التصديق فقط.
(5) ليس عمل القلب هو الاعتقاد فقط، والقلب له أعمال يكفر بها غير الإعتقاد (مع عدم وجود لفظه في الكتاب والسنة) .
(6) السابق (2/ 582،581) .
(7) مجموع الفتاوى (7/ 302) .