الصفحة 15 من 46

فانظر إلى هذا اليهودي كيف أقر بلسانه بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي ولم ينكر ما قاله وما أجابه عنه، فرغم أنه استيقن في نفسه صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقر ذلك بلسانه، لكنه جحد ما استيقنه وما أقر به، وذلك بعدم الانقياد، فكان هذا هو مناط كفره، لا لأنه أنكر صدق النبوة، ولكن لأنه أبى الامتثال والاستسلام.

وهذا هو المراد من قول ابن القيم رحمه الله في (مفتاح دار السعادة) : (فهؤلاء قد تحققوا نبوته وشهدوا له بها، ومع هذا فآثروا الكفر والضلال، ولم يصيروا مسلمين بهذه الشهادة، لأن مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام إلا أن يلتزم طاعته ومتابعته) . [1]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (الإيمان) : (وأيضا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد أنك رسول، ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: فلم لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من اليهود، فعلم أن مجرد العلم والإخبار -أي عن العلم- ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للإلتزام والإنقياد، مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم [2] ، وهو المراد من قوله كذلك: (فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه [3] ( ... ) وعلامة من كذب الرسول علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون) [4] .

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) : (قال تعالى منكرا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائفة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب( ... ) وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم) [5] .

فهم كانوا يعتقدون صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنهم جحدوا، وانظر إلى معنى جحودهم في كلام ابن كثير عند قوله (في تركهم ما يعتقدون صحته) وفي قوله (وعدلوا) ، فالترك والعدول فعل وليس مجرد إنكار باللسان [6] . ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل أحد علماء اليهود وأنشده الله على أن يصدقه الإجابة: (هكذا تجحدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حده في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد) .

(1) ابن القيم/ مفتاح دار السعادة (93 - 94) .

(2) الإيمان (135) .

(3) هنا بمعنى يكذبه في الظاهر بقوله: لا أؤمن بك وأنت كاذب كما كان شأن كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم.

(4) مجموع الفتاوى (7/ 193،188) .

(5) تفسير ابن كثير (2/ 60) .

(6) هناك فرق بين كفر التكذيب وكفر الإعراض، فالأول ممكن بتصديق المخبر والخبر، والثاني متعلق بطاعة الأمر ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت