الصفحة 16 من 46

ومثله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- في شأن اليهودي الذي أمره عبد الله بن سلام رضي الله عنه بأن يرفع يده عن آية الرجم، فقال -أي اليهودي-: (صدق يا محمد [1] .

يقول الإمام ابن بطة العكبري رحمه الله: (فكل من ترك شيئا من الفرائض التي فرضها الله في كتابه أو أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته -على سبيل الجحود لها والتكذيب بها -فهو كافر بين الكفر ... [2] . ولكي تدرك حقيقة الترابط بين الجحود [3] والترك تأمل في كلام ابن قدامة الآتي حيث قال في حق جاحد فريضة الصلاة: (وأما إذا كان الجاحد لها(أي التارك لها) ناشئا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها) [4] .

وأما قول صاحب (الجامع) : (والجحد والاستحلال كلاهما يرجع إلى أصل واحد، وهو التكذيب بالنصوص الشرعية، فالجاحد -المنكر لوجوب الواجب- مكذب بالنص الموجب لفعل الواجب، والمستحل -المنكر لتحريم الحرام- مكذب بالنص الحاظر لفعل المحرم ... ) [5] ، ففيه نظر، وذلك لقول الله عز وجل: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) فهم -أي اليهود- كانوا يصدقون بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا جاحدين بآيات الله تعالى حسدا منهم واستكبار.

ومن هذا أيضا أنه لما سأل الأخنس أبا جهل عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهل: (ويحك والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، وإني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لعبد مناف تبعا؟) ، وانظر إلى قوله (تبعا) فهي للدلالة على جحوده وعناده رغم إقراره بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، قال ابن تيمية رحمه الله في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) : (والكفر يكون بتكذيب الرسول فيما أخبر به، أو الامتناع عن المتابعة مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم) [6] فالتكذيب يكون تكذيبا بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو هنا الإنكار، وهو تعريف الجحد عند متأخرة الفقهاء وعند بعض المعاصرين أيضا، ويكون بالامتناع عن المتابعة -جحودا واستكبارا- مع العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم. يقول ابن القيم رحمه الله: (وهذان القسمان -كفر الجحود والعناد والإعراض- أكثر المتكلمين ينكرونهما ولا يثبتون من الكفر إلا الأول -وهو كفر الجهل- ويجعلون الثاني والثالث كفرا لدلالته على الأول، لا لأنه في ذاته كفر، فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل، ومن تأمل القرآن والسنة وسير الأنبياء في أممهم ودعوتهم لهم وما

(1) أحمد شاكر/ عمدة التفسير (4/ 155،148) .

(2) الإبانة (2/ 746) .

(3) الجحود هنا يتعلق بالأمر وليس بالخبر.

(4) المغنى (8/ 131) .

(5) الجامع (2/ 454،453) .

(6) درء تعارض العقل والنقل (1/ 242) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت