الصفحة 17 من 46

جرى لهم معهم، جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم أن عامة كفر الأمم عن تيقن وعلم، ومعرفة بصدق أنبيائهم وصحة دعواهم وما جاؤوا به) [1] .

وهذا هو المراد مما أوردناه من كلام ابن تيمية عن تارك الصلاة، ومن كلام سفيان ابن عيينة أيضا عن الإرجاء، فيما رواه عنه عبد الله بن الإمام أحمد، قال: (وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا، فسمي كافرا ... ) ، ومعلوم إن إبليس ما اعترض على أمر الله بالإنكار والتكذيب، وإنما استكبر وأبى أن يمتثل لأمر الله تعالى أو يستسلم له، فكان جاحدا، ومن ثم سمي كافرا.

أما قول صاحب (الجامع) : (فالجاحد والمكذب كلاهما مكذب في الظاهر ويفترقان في أن الجاحد مصدق بقلبه والمكذب مكذب بقلبه) [2] ، فليس هذا على الحقيقة، ذلك أن المكذب الذي كذب بقلبه لزم عن تكذيبه هذا تكذيبه باللسان فسمي بهذا كافرا [3] ، أما الجاحد الذي صدق بقلبه، فلو كان مكذبا بلسانه بالإنكار لدخل في كفر التكذيب، ولكن لما كان مصدقا بقلبه فإن هذا لا يلزم عنه تكذيب باللسان وإنما عدم الإلتزام والإنقياد وهو كفر الجحود.

وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن كل من أتى بذنب مكفر ثبت كفر فاعله (قول أو فعل أو ترك) فإنه كافر، دون أن يقيدوا كفره باشتراط جحده لما تركه من واجب، أو استحلاله لما فعله من حرام، ولهذا فإن غلاة المرجئة كفرهم السلف لاعتبارهم الجحد شرطا مستقلا للتكفير بالذنوب المكفرة.

فقد روى الخلال عن عبد الله بن حنبل عن ابن إسحاق بن حنبل قال: قال الحميدي (وهو من شيوخ البخاري) : (وأخبرت أن أقواما يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويظل مسندا ظهره مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن -ما لم يكن جاحدا- إذا علم أن ترك ذلك فيه إيمانه، إذا كان مقرا بالفرض واستقبال القبلة.

فقلت هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين، قال الله عز وجل: (حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: 5] . قال حنبل، قال أبو عبد الله (يعني الإمام) : من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء به) [4] .

(1) مفتاح دار السعادة (1/ 94،93) .

(2) الجامع (2/ 446) وهذا يخالف ما ذكره شيخ الإسلام: (ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب ... ) (الرسالة التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى 5/ 164) .

(3) سمي كافرا لباطنه وظاهره، وهذا الرجل كذب بلسانه خبر الصادق بالنبوة ولزم عن هذا عدم المتابعة، فهذا رجل جامع لتكذيبه بلسانه وعدم متابعته كذلك.

(4) ابن تيمية/ الإيمان (196) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت