الصفحة 18 من 46

وحاصل قول الحميدي رحمه الله أن هؤلاء الأقوام لم ينكروا وجوب الطاعات وإنما أقروا بها، ولم يفعلوا من ذلك شيئا حتى يموتوا، وانظر إلى قوله: (ولم يفعلوا) فإن عدم الفعل (ترك) ، وهو المراد بقوله: (إذا علم أن ترك ذلك فيه إيمانه) ، وهو ما لزم عنه قوله بأن هذا خلاف (فعل المسلمين) .

قال القاضي عياض في (الشفا) : (وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع فعل ذلك الفعل، كالسجود للصنم( ... ) وأجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر، وأن هذه الأفعال علامة على كفره [1] ، وإن صرح فاعلها بالإسلام [2] .

وأما الذنوب غير المكفرة فلا يكفر فاعلها بمجرد فعلها، إلا إذا استحلها أو جحدها (حراما أو واجبا) ، لقول أهل السنة: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) ، وهو المراد من قول ابن تيمية رحمه الله مبينا مذهب السلف في كتابه (الصارم المسلول) : (إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، وقد قال الإمام أبو يعقوب بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه -وهو أحد الأئمة يعدل بالشافعي وأحمد-: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بما أنزل الله) [3] .

وقال أيضا: (وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله) [4] .

وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في (معارج القبول) مبينا معتقد أهل السنة:

ولا نكفر بالمعاصي مؤمنا ... إلا مع استحلاله لما جنى

قال: (( ولا نكفر بالمعاصي) التي قدمنا ذكرها وأنها لا توجب كفرا، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك ولا تستلزمه ولا تنافي اعتقاد القلب ولا علمه، (مؤمنا) مقرا بتحريمها معتقدا له، مؤمنا بالحدود المترتبة عليها، ولكن نقول يفسق بفعلها ويقام عليه الحد بارتكابها، وينقص إيمانه بقدر ما تجارأ عليه منها ( ... ) ، (إلا مع استحلاله لما جنى) هذه هي المسألة الخامسة، وهو أن عامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها، بل يكفر بمجرد اعتقاده بتحليل ما حرم الله ورسوله لو لم يعمل به، لأنه حينئذ يكون مكذبا

(1) القاضي عياض رحمه الله أشعري الإعتقاد ويخاف من قوله هذا على معنى المرجئة، وهو: أن هذه الأفعال علامة على كفر التكذيب، وبهذا المعنى يكون الكلام خطأ، ولكن على معنى أن كفر الظاهر متلازم (تلازما غير مطلق) مع كفر الباطن وكفر الباطن منه ما يتعلق بالتصديق ومنه ما يتعلق بالإلتزام فيكون الكلام صوابا.

(2) القاضي عياض/ الشفا (2/ 611) .

(3) ابن تيمية/ الصارم المسلول (215) .

(4) السابق (177 - 178) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت