الصفحة 19 من 46

بالكتاب ومكذبا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك كفر بالكتاب والسنة والإجماع، فمن جحد أمرا مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة فلا شك في كفره) [1] .

والدليل على ذلك أيضا إجماع الصحابة على جلد شارب الخمر المقر بتحريمها، وإن استحلها فهو مرتد يستتاب وإلا قتل (كما في قصة قدامة بن مظعون) ، وهو المراد من قول ابن تيمية رحمه الله: (وهذه الشبهة كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن عبد الله شربها هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى:(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر أصحابه على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا، وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر، وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه لما حرم الخمر -وكان تحريمها بعد وقعة أحد- قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم تحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين ( ... ) فلهذا اتفق الصحابة على أن من استحل الخمر قتلوه، ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا، وعلموا أنهم أخطأوا وأيسوا من التوبة، فكتب عمر إلى قدامة يقول له: (حم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ) ، ما أدري أي ذنبيك أعظم، استحلالك المحرم أولا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيا؟ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك) [2] .

أما من استدل من المتأخرين -على اشتراط الجحد أو الاستحلال للتكفير بالذنوب المكفرة- بقول الإمام الطحاوي: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) ، وبقول أهل السنة: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) فلم يدرك الصواب، ذلك أن قول الإمام الطحاوي (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) (لا دلالة فيه على اشتراط الجحد للتكفير، بل يعني هذا القول عند المرجئة -من الفقهاء والأشاعرة- أن الجحد لازم لا ينفك عن الكفر الظاهر، وقولهم هذا خطأ) [3] . يقول الإمام الطحاوي رحمه الله في (مشكل الآثار) فيما أورده الألباني في كتابه (حكم تارك الصلاة) : (ولما كان الرجل يكون مسلما إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس ومن صيام رمضان كذلك، ويكون كافرا بجحوده لذلك، ولا يكون كافرا إلا من حيث كان مسلما، وإسلامه كان بإقراره الإسلام، فكذلك ردته لا تكون إلا بجحود الإسلام) [4] [5] ، ومراد الإمام الطحاوي من

(1) معارج القبول (2/ 438) .

(2) مجموع الفتاوى (11/ 405،403) .

(3) الجامع (2/ 458،457) .

(4) مشكل الآثار (4/ 228) عن كتاب حكم تارك الصلاة.

(5) الجحود هنا عند الإمام الطحاوي (مع حنفيته) يكون ضد الإقرار، وشرط الإقرار الالتزام على الصحيح، فمن فرق بين الإقرار والالتزام لم يجعل الإقرار إلا بمعنى التصديق فقط مثل قول الجوزجاني الآتي، مع أن كلام الجوزجاني لا تعلق له بالتكفير، إنما هو متعلق بموضوع الإيمان وما يضاده، وليس كل فعل يضاد الإيمان يكون مكفرا كفرا أكبر ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت