الصفحة 13 من 20

قال الشيخ سفر الحوالي: (وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"ارجع فصل فإنك لم تصلي"، فنفى صلاته مع وقوعها، والمراد نفي صحة أدائها، وبه استدل أبو عبيد رحمه الله في مثل هذا، وكذلك حديث قاتل المئه نفس الذي جاء فيه:"أنه لم يعمل خيرًا قط"... إذ لم يزد على أن شرع في سبيل التوبة - وقد حصلت منه الهجرة وهي من عمل الجوارح - وحديث الرجل الذي أوصى أهلة أن يحرقوه بعد وفاته خوفًا من الله:"قال رجل لم يعمل خيرًا قط: إذا مات فحرقوه ..."، ولمسلم"قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فأحرقوه ..."، وقد فسرتها الرواية التي بعدها:"أسرف رجل على نفسه"، أو"أسرف عبد على نفسه"، ومما يؤيد ذلك أنه قد ورد في بعض روايات حديث الجهنميين هذا، أن هذا الرجل منهم، حيث ذكرت انه آخر أهل النار خروجًا منها) [46] .

قلت: وغاية ما يقال في رواية: (لم يعملوا خيرًا قط) ؛ أن هذه حاله غيبية مخصوصة، لا تعارض الأصل الثابت - وهو إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة - بل غاية ما في الدليل المعارض لأصل كلي أن يكون مخصصًا لعمومة.

وقيل هذه الحالة وردت في حديث حذيفة مرفوعًا: (يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك، ويسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طائفة من الناس الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله، فنحن نقولها) ، قال صِلَة بن زفر لحذيفة: فما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك؟! فأعرض عنه حذيفة فرددها ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: (يا صلة تنجيهم من النار) [47] .

قال الشيخ: (وهذا الحديث بقدر ما يدل على نجاة مخصوصة، هو يدل على الأصل والقاعدة، ألا ترى أن التابعي صِلَه تعجب وألح في سؤال الصحابي حذيفة، وما ذلك إلا لما علم التابعون من إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، على أن تارك العمل ليس مؤمن ولا ينجو في الدنيا من سيف المؤمنين ولا في الآخرة من عذاب رب العالمين) [5] .

استدل بقول أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: (وفيه لزمه إسم الإيمان بالدخول فيه) .

ويقال فيه مثل ما قيل في قول الحافظ بن منده، وانظر إلى قول أبي عبيد رحمه الله في باب تسمية الإيمان بالقول دون العمل، وهو يرد عليهم.

قال أبو عبيد: (قالت هذه الفرقة؛ إذا أقر بما جاء من عند الله وشهد الحق بلسانه، فذلك الإيمان كله ... وليس ما ذهبوا إليه عندنا قولًا ولا نراه شيئًا ... ) .

إلى أن يقول: (وجعل أصله معرفة القلب ثم جعل النطق شاهدًا عليه، ثم الأعمال مصدقة له، وإنما أعطى الله كل جارحه عملًا ولم يعطي الأخرى، فعمل القلب الإعتقاد وعمل اللسان القول وعمل اليد التناول وعمل الرجل المشي وكلها يجمعها اسم العمل، فالإيمان على هذا التناول إنما هو كله مبني على العمل من أوله إلى آخره) .

ويقول أيضًا - بعد أن إستشهد بقول الله تعالى: {الم * أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا اللذين من قبلهم فليعلمن الله اللذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ، {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} ، {وليمحص الله اللذين آمنوا ويمحق الكافرين} : (أفلا ترى الله تبارك وتعالى، قد إمتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرضى منه الإقرار دون العمل حتى جعل أحدها من الآخر، فأي شيء يُتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهاج السلف بعده اللذين هم موضع القدوة والإمامة؟!) [48] .

قلت: هكذا يجمع كلام أهل العلم حتى يعرف مرادهم.

ثم عد السلف اللذين يقولون؛ أن الإيمان قول وعمل، حتى بلغ مائة واثنين وثلاثين، فهل بقي شك بعد الأدلة التي ساقها أبو عبيد وعده للسلف وإجماعهم؛ أن الإيمان قول وعمل، وأن العمل يدخل فيه عمل الجوارح بلا خلاف عند السلف، وأن الإمام ابا عبيد يقول بأنه قول وعمل ويدخل فيه عمل الجوارح الظاهرة، وان الكلام الذي ذكره صاحب"القول التمام" [49] لا يصلح للإستشهاد به، بل لا بد أن يرد على ما يبينه، حتى لا يخرج كلام الأئمه متناقضًا معارضًا لما يذكرونه من الإجماع.

10)وأما كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في [ص: 207] فهو عليه وليس له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت