الصفحة 5 من 20

فالإيمان بمفهومه العام مرادف لكلمة الدين، وبمفهومه الخاص مرتبه من مراتب الدين [16] ، والأحاديث الثلاثة تدل على أن الإيمان يشمل الظاهر والباطن معًا، ومن ترك العمل الظاهر [17] فقد ترك ركن الإيمان، ومن زعم أن الإيمان يتحقق لأحد بدون العمل الظاهر فضلاله بَيَّن [18] ، وعلى هذا فصل علماء الإسلام وشراح السنه، لا سيما في شرحهم لحديث جبريل عليه السلام.

قال إسماعيل بن سعيد: (سألت أحمد عمن قال: في الذي قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ سأله عن الإسلام، فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم، قال رسول الله: نعم، فقال قائل: وإن لم يفعل الذي قاله جبريل للنبي؛ فهو مسلم؟ قال أحمد: هذا معاند للحديث) [1] .

وقال البغوي في شرح حديث جبريل: (جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام إسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان إسمًا لما بطن من إعتقاد، وليس هذا لأن الأعمال ليست من الإيمان ... ) ، إلى أن قال: ( ... ولن يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بإنضمام التصديق إلى العمل) [19] .

وقال أبو طالب المكي في كلام طويل له: (فمن كان ظاهره أعمال الإسلام، ولا يرجع إلى إعتقاد الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقًا ينقل من الملة، ومن عنده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرًا لا يثبت معه توحيد) .

وقال: (فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما وفي سقوط أحداهما بطلان الكلام، وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان) .

وقال أيضا في حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس) ، وقال في حديث: (وفد عبد القيس) : (أنهم سألوا عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف، فدل ذلك على انه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإسلام سر، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبة) .

وقال أيضًا: (فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان، ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام، أنه لا يسمى مؤمنًا [20] ، وإنه لو عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلمًا، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة) [21] .

قال الشيخ العلامة المحقق سفر بن عبد الرحمن الحوالي حفظه الله: (والمقصود بالإجماع هنا، إجماع أهل السنة من لدن الصحابه إلى عصرة) .

(13) أنظر: الإيمان لابن منده: 1/ 146.

(14) أنظر: فتح الباري، للحافظ أحمد بن حجر: 1/ 119.

(15) متفق عليه، أنظر اللؤلؤ والمرجان، كتاب الإيمان.

(16) فإذا إجتمع الإسلام والإيمان إفترقا، فيصبح الإسلام الأمور الظاهرة والإيمان الأمور الباطنة، وإذا إفترقا إجتمعا، أي إذا ذكر الإسلام بمفرده فيعني جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة، وإذا أطلق الإيمان بمفردة يعني جميع أمر الدين الظاهرة والباطنة.

(17) بمجرد الترك وإن أقر بها ولم يجحد، ففساد الظاهر يعني فساد الباطن، والظاهر والباطن متلازمان إذا ذهب أحدهما ذهب الآخر معه، ومن زعم غير هذا، فهو مرجيء خبيث فإحذره على دينك.

(18) لم يزعم هذا إلا أبو محرز الجهم بن صفوان ومن تبعه، ولكن للأسف تبعه في ذلك جهميه العصر، بل لدرجة أنهم جعلوا النطق بالجحود والإستحلال هو الشرط في التكفير، ولازم قولهم عدم تكفير من سب الله ورسوله، نعوذ بالله من الضلالة والغواية.

(1) الإيمان لابن تيمية: 354.

(19) أنظر: شرح السنه للبغوي: 1/ 10.

(20) إلا أن الإمام إرشيد الهاجري! صاحب القول التمام، قد خرق هذا الإجماع المنعقد، فتأمل ...

(21) الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية:316/ 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت