الصفحة 21 من 30

روى ابن هشام في سيرته؛ أنه عندما قدم وفد ثقيف ليفاوضوا رسول الله سألوه: (أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمّى، وإنما يريدون بذلك، فيما يظهرون، أن يتسلّموا بتركِها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يُروِّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله إلاّ أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه ... ) .

والصلاة كانت حينذاك قد فرضت، فلم يقل لهم؛ لا تصلّوا مدة ثماني سنوات ثم أدّوها! أو قبل منهم أن يترك لهم اللات شهرًا ثم يهدموها بعد ذلك! فأين التدرّج في ذلك؟!

مواجهة الفتن:

ولعلّ النقطة الأبرز في بحث القائلين بالتدرّج تكمن في الاستطاعة.

فالذي يقول بالتدرّج إنّما يستند إلى قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} ، وفي رأيه؛ لن يستطيع المسلمون اليوم إذا وصلوا إلى السلطة أن يطبّقوا الإسلام تطبيقًا انقلابيًا شاملًا، لأن ذلك من شأنه إقامة الفتنة وإثارةُ البلبلة في المجتمع الإسلامي الناشئ.

أقول ردًّا على هؤلاء:

إن الاستطاعة الشرعيّة التي تلجئ إلى الحرام - وهو هنا تطبيق غير ما أنزل الله - معروفة شرعًا ومحدّدة، وهي غير ما يُتوهّم من فتن واضطرابات. فمظنة وقوع الفتنة لأجل تطبيق الإسلام لا تشكِّل عذرًا شرعيًا للوقوع في الحرام، وهو تطبيق أحكام الكفر - مع الإيمان بعدم صلاحها -

وقد أجمع الصحابة أيام الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه على محاربة مانعي الزكاة من المرتدّين، وقد كان أحرى بأبي بكر رضي الله عنه أن يتجنّب الفتنة، وأن يحقن دماء المسلمين، وأن لا يُقدم على محاربة غالبية قبائل العرب، والتي كانت قد منعت الزكاة بعد وفاة النبي لقلّة إمكاناته ... لكنه - والصحابة معه - لم يقبل تعطيل حكم واحد من أحكام الشرع الإسلامي، رغم الخطر المحقّق الذي سيقع على الدولة الإسلامية فيما لو حارب القبائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت