الصفحة 26 من 30

حكم ساب الدين وحكم من سمع منه ولم يُنكر

ما حكم من سب الرب جل وعلا أو الدين؟ وما حكم من يسمع ذلك ولا ينكر عليه؟

فإن هذه من أمهات البلايا التي أطلت برأسها في بلدان المسلمين، وصارت في كثير من تلك البلاد إحدى المظاهر المعروفة المألوفة بين الناس، ينشأ عليها الصغير ويهرم الكبير، بل ويتفنن السابون في اختراع ألوان من ذلك مما لا تخطر على بال إبليس لعنه الله.

فتجد المرء منهم لأدنى شيء مما قد يعكر عليه صفوه ويثير حفيظته ويهيج غضبه يهدر بأنواع من السب القبيح الذي لا يرضاه الإنسان للبهائم والعجماوات فضلا عن أن يكون لرب الأرض والسماوات، الواحد الأحد، الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والكافرون علوا كبيرا، وما قدروا الله حق قدره.

وهذا إن دل على شيء؛ فإنما يعرِّفك بالدركات التي وصل إليها حال المسلمين من الضعف والهوان، حتى يصبح بينهم من أبنائهم وعشيرتهم من يتجرأ بالمجاهرة بسب الرب والدين والتبجح بذلك والتفنن فيه والمبالغة في تجديد أشكاله كل يوم، ومع هذا كله لا يقدر أحد أن يوقفه عند حده ويمنعه من كفره.

إن الله سبحانه وتعالى قد نهى عباده المؤمنين من سب الكافرين - مع كفرهم وجرأتهم على الله عز وجل - لسد باب مفسدة عظمى؛ وهي تجرؤهم على سب الله عز وجل، فقال سبحانه: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [الأنعام: 108] .

ولعمر الحق لم يخطر ببال أولئك الكفرة الغلاظ العتاة؛ أن تصل جرأتهم إلى هذا الحد الفظيع من السب القبيح، فهم مع ذلك الكفر والمحادة لله ورسوله والمشاقة للحق والهدى؛ إلا أن في قلوبهم شيئا من تعظيم الله وتوقيره، ولهذا كانوا عندما تدلهم الخطوب وتختلط عليهم الأمور وتشتد الأزمات - في البر والبحر - يلجئون إلى الله، فيدعونه تضرعا وخيفة، كما حكى الله عز وجل عنهم ذلك في آيات عدة من كتابه.

أما هؤلاء المجرمون؛ فلا يزدادون إلا كفرا وجرأة وتنكرا للحق ونكرانا لنعم الله، ومقابلتها بالسب والسخط، كما نرى ذلك كثيرا في المآتم وعند حلول المصائب، وعند التنازع والتخاصم والمشادات التي تحصل بينهم، فأين أولئك الكفرة - مع عظم كفرهم وقبح ضلالهم - من هؤلاء المارقين المرتدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت