يأمر نبيه يحيى عليه الصلاة السلام، فيقول: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] .
وفي مقابل هذا نجد الذم الصريح لعلماء أهل الكتاب، ومن سار في دربهم من محرفة النصوص، ومتبعي الشهوات، الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه الآخر، أو أخذوا ما يشتهون وتركوا ما لا يوافق أهواءه، في خطاب مليء بالذم والقدح، ولا غرو! فإذا كان هذا حال الصفوة، ومن يسمون بالنخب، فمن دونهم رجعُ صدى لتحريفهم وانحرافهم.
ففي آية واحدة لا تتجاوز سطرًا واحدًا، يجد القارئ لها بيان السبب، والعقوبة، والأثر: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] ألا ما أوضحها من آيات تبين الداء والدواء لمن بحث طالبًا للهدى!
ويقول تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ، وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169] .
وهذه الآية ـ كما تضمنت النعي على هؤلاء ـ فهي تشير إلى سبب من أهم أسباب انحرافهم وضلالهم، ألا وهو الانكباب على الدنيا، فلما ضعفت صلتهم بالآخرة، ضعفت قوة أخذهم بالكتاب، وأبى الله أن يجمع في قلوب أوليائه وحملة رسالاته بين الانكباب على الدنيا، وبين فهم الرسالات والقيام بها على الوجه المرضي: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ