إن البحث عن الإجابة على هذا السؤال الكبير تعني بداية التصحيح! والشعور بالمشكلة هو بداية الحل!
وأرى أن من أصح الإجابات، وأوضحها، وأقصرها أن نتأمل جيدًا ـ ما سبقت الإشارة إليه في أول هذه الورقة ـ كيف كان الصحابة - رضي الله عنهم - قبل الوحي؟ وكيف كانوا بعده؟ ثم كيف دبّ الضعف في هذه الأمة بداية من أواخر قرن الصحابة - رضي الله عنهم - إلى يومنا هذا؟!
لقد أدرك علماء الطبقة الثانية من جيل الصحابة - رضي الله عنهم - كابن عمر، وجندب بن عبدالله البجلي، وابن عباس، وغيرهم من أهل تلك الطبقة ـ الذين عاشوا وشاركوا زمن الفتوحات التي دخل معها مئات الآلاف من العرب والعجم في دين الله ـ أدركوا بدايةَ الخلل، فصدرت عنهم الكلمات التي تؤكد ضرورة العناية بالتدبر، بل وخطورة الاقتصار على مجرد التلاوة!
فهذا ابن عمر - رضي الله عنهما - (ت 73 هـ) يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد - صلى الله عليه وسلم - فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم قال: لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره! ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل" [1] ."
ويقول جندب بن عبدالله - رضي الله عنه - (مات بعد 60 هـ) : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ ونحن فتيان حزاورة [2] ـ فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، فازددنا به إيمانًا [3] .
(1) أخرجه الطحاوي في"شرح المشكل"4/ 44، والحاكم في"المستدرك"وصححه (1/ 91) ، والبيهقي في الكبرى 2/ 120.
(2) جمع حزوّر، وهو الغلام إذا اشتد وقارب البلوغ، ينظر: تاج العروس (11/ 9) .
(3) رواه ابن ماجه ح (61) وصحح إسناده البوصيري.