ومع كل ما سبق تظهر لنا مفارقةٌ عجيبة يجبُ أن تُسلطَ عليها الأضواءُ وخاصةً في هذه الأوقات التي نرى فيها تدفقَ الشباب المسلم نحو الشهادةِ في سبيل الله لا غير، فعلى أي شيء ينصبُّ اهتمامُ المسلم في هذه الحياة الدنيا أعلى الشهادةِ والحرصِ عليها أم على البقاءِ لعمارةِ هذه الحياة الدنيا وصناعةِ الحياة؟
إنَّ المجاهد ينبغي أن يدرك أن الموت ليس هدفًا بذاته، كما أن ابتغاء مظانِّ الموت ليس انتحارا، وليس تمني الشهادة يأسًا من الحياة، كما أن الأخذ بالأسباب لا ينافي الشجاعة وأن عدم الحيطة والحذر لا يُعد إقدامًا.
وقد شرع الله عز وجل لنا صلاةَ الخوف، وذكرَ لنا صفتَهَا في كتاب الله مفصلة، وقد لبِسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم درعين يوم أحد، وأمر بحفر الخندق، [وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا] [1] .
بل إن الله تعالى الآمر بالنفير هو ذاته الآمر بأخذ الحذر لعدم التنافي بينهما فقال سبحانه [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا] [2]
قال القرطبي رحمه الله:"أمرهم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالةٍ حتى يتحسسوا إلى ما عندهم ويعلموا كيف يرِدون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال"خُذُوا حِذْرَكُمْ"فعلمهم مباشرة الحروب ولا ينافى هذا التوكل بل هو عين التوكل" [3] .
والناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية يجد إلى جانب الحديث عن الشهادة والترغيب فيها والحث على طلبها وجواز تمنيها والدعاء بها يجد أيضًا آيات كريمة وأحاديث جليلة تأمر بصناعة الحياة وعمارة هذه الدنيا وتخبر بأن خير الناس من طال عمره وحسن عمله ثم ختم له بخير، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لساغ لنا فيه أن نزرع فسيلةً لا يأكل منها الطير ولا
(1) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الكذب في الحرب، رقم: 2974
(2) - النساء: 71
(3) - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 3/ 177 - 176 دار الكتب العلمية، طبعة: 1993 م