الصفحة 30 من 37

وهكذا كان الشيخ رحمه الله مزج بين العلم والعمل وحمل مع القلم السيف ومع الكتاب البندقية كان عالمًا عاملًا مجاهدًا، أحيى الله به أمجاد الأئمة السابقين من أمثال عبد الله بن المبارك و العز بن عبد السلام وغيرهما من أعلام الأمة وما أكثرهم، وقد ورثنا الشيخ حب الجهاد والمجاهدين بعمله وورثنا حب الشهادة بدمه فرحمه الله رحمة واسعة.

ولقد كان بعض من أهل العلم في بلادنا يوصلون للشيخ عن طريقي أحيانًا كلامًا مفاده أن الأمة بحاجة لمثلك فاختبأ عن أعين الظالمين فاليهود وأعوانهم من العلمانيين يتربصون بك الليل والنهار منتظرين أن تقع لهم.

وأسمعته هذا الكلام كثيرًا لكنه رحمه الله كان لا يكترث ولا يعير هذا الكلام ولا غيره اهتمامًا وكأن الشهادة قد تملكت قلبه فأصبح ينتظرها على أحر من الجمر وبقي ينتظر وما طال انتظاره حتى أكرمه الله بما يحب هو وأهله فهنيئًا له ثم هنيئًا.

ولقد كان الشيخ رحمه الله يحلو له أن يستشهد بأبيات الإمام العالم المجاهد عبد الله بن المبارك رحمه الله والتي كان أرسلها للإمام الفضيل بن عياض رحمه الله يقول له فيها:

يا عابدَ الحَرَمَيْن لو أبصرتَنَا ... لعَلِمْتَ أنَّكَ بالعبادة تلعبُ

مَنْ كان يَخْضِبُ خَدَّهُ بدُمُوعِهِ ... فنُحُورُنا بدمائنا تَتَخَضَّبُ

أو كان يُتْعِبُ خَيْلَهُ في باطلٍ فخُيُولُنَا يومَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ

ولقد أتانا من كلام نبينا ... قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكذبُ

لا يجمعان غبار خيل الله في أنف امرئٍ ودخان نارٍ تلهبُ

هذا كتابَ اللهِ ينطقُ بينَنَا ... ليسَ الشهيدُ بميتٍ لا يكذبُ [1]

فرحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وجمعنا به في أعلى عليين،،، اللهم آمين.

(1) - انظر: سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج 8 ص 412، وقد راجعت الشيخ مرة في هذه الأبيات حينما سمعتها منه أول مرة على غير ما أحفظ، فقال لي الشيخ وهو يبتسم: للقصيدة روايات يا أبا حسام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت