الصفحة 8 من 37

"والآية نص في النهي عن حسبان أن الذين قتلوا في سبيل الله وفارقوا هذه الحياة وبعدوا عن أعين الناس أموات، ونص كذلك في إثبات أنهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، ثم يلي هذا النهي وهذا الإثبات وصفُ ما لهم من خصائص الحياة، فهم يُرْزَقُونَ."

ومع أننا نحن - في هذه الفانية - لا نعرف نوع الحياة التي يحياها الشهداء إلا ما يبلغنا من وصفها في الأحاديث الصحاح. . إلا أن هذا النص الصادق من العليم الخبير كفيل وحده بأن يغير مفاهيمنا للموت والحياة وما بينهما من انفصال والتئام، فهؤلاء ناس منا يقتلون وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها ويفارقون الحياة كما تبدو لنا من ظاهرها،،،

ولكن لأنهم قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وتجردوا له من كل الأعراض والأغراض الجزئية الصغيرة ; واتصلت أرواحهم بالله فجادوا بأرواحهم في سبيله ... لأنهم قتلوا كذلك فإن الله سبحانه يخبرنا في الخبر الصادق أنهم ليسوا أمواتًا" [1] ."

وقال رحمه الله:

"وينهانا الله في كتابه أن نحسبهم كذلك ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده وأنهم يرزقون، فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء ويخبرنا كذلك بما لهم من خصائص الحياة الأخرى،،،"

-فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فهم يستقبلون رزق الله بالفرح ; لأنهم يدركون أنه مِنْ فَضْلِهِ عليهم، فهو دليل رضاه وهم قد قتلوا في سبيل الله، فأي شيء يفرحهم إذن أكثر من رزقه الذي يتمثل فيه رضاه؟ ثم هم مشغولون بمن وراءهم من إخوانهم ; وهم مستبشرون لهم ; لما علموه من رضا الله عن المؤمنين المجاهدين،،،

-وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إنهم لم ينفصلوا من إخوانهم الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ولم تنقطع بهم صلاتهم لأنهم أَحْيَاءٌ.

إنها أي الآيات تعديل كامل لمفهوم الموت - متى كان في سبيل الله - وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم" [2] ."

(1) - في ظلال القرآن للإمام الشهيد سيد فطب، 1 - ص 518 - 517 بتصرف. طبعة دار الشروق - الطبعة 14 - 1987 م

(2) - المصدر السابق بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت