وقد علم صلى الله عليه وسلم أنه قد يصيبهم وهو لا يجوِّز تعمدَ [هم] بالقتل، فدل على أن كون المسلمين فيما بين أهل الحرب لا يمنع رميهم، إذ كان القصد فيه المشركين دونهم) [1] .
فكما يظهر في كلام الإمامين أبي يوسف والجصاص؛ فإن الاستدلال بقصة رمي الطائف بالمنجنيق مركب من جزئين ومرتب على مقدمتين:
الأولى؛ إثبات صحة الأثر، ومن ثَم الاستدلال به على جواز رمي الحصون التي تضم نساء وأطفال المشركين مع العلم بوجودهم بينهم.
والثانية؛ صحة قياس وإلحاق المسلم في ذلك الحكم بنساء وذراري المشركين، بجامع أن الجميع معصومو الدماء شرعًا، وإن كانت درجة العصمة وشدتها متفاوتة، فكما هو معلوم مجزوم به فإن حرمة المسلم أعظم وأفخم.
فالأثر - كما رأينا - مرسل، ومع اشتهاره وكثرة استدلال الفقهاء به وتدوالهم له واعتمادهم عليه في بعض من الأحكام لا يبعد أن يكون له أصل، لا سيما مع وجود بعض الأدلة التي تشاركه في أصل الحكم كالتي وردت في جواز البيات.
وكما ذكرنا عن الإمام أبي يوسف؛ فإن سيرة الصحابة ومن بعدهم قادة الفتوحات قد جرت على ذلك، ولا بد أن يكون لهم في المسألة أثارة من علم، وثمة آثار متعددة عنهم في استعمالهم المجانيق لرمي حصون الكفار مع وجود نسائهم وأطفالهم فيها.
بل نقل بعض العلماء اتفاق الفقهاء في الجملة على جواز رمي حصون الكفار، وإن كان فيها نساؤهم وأطفالهم خاصة، مستدلين بقصة الطائف المذكورة.
كما قال ابن رشد رحمه الله: (واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمجانيق، سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن، لما جاء؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام نصب المنجنيق على أهل الطائف) [2] .
وعلى كل حال فإذا صح هذا الاتفاق؛ فإنه يغني عن الرجوع إلى أثر محكول والاعتماد عليه استقلالًا.
ويبقى السؤال ما مدى صحة قياس حصن به أسارى وأطفال وتجار مسلمون؛ على حصن فيه نساء وأطفال الكفار في جواز رمي الجميع بالمنجنيق أو ما شاكله مما يعم به الهلاك؟ فقد ارتضى بعض الأئمة هذا القياس واستدل به ورفضه بعضهم.
(1) أحكام القرآن: 5/ 273.
(2) بداية المجتهد: 1/ 282.