يخلو حصن من مسلم، فلو امتنع باعتباره لانسد بابه، وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى؛ لم يكفوا عن رميهم لما بينا).
وقال العبادي الحنفي: (قوله:"ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر": يعني يرميهم بالنشاب والحجارة والمنجنيق؛ لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن جماعة المسلمين، وقتل التاجر والأسير ضرر خاص) [1] .
وقال الإمام النووي - وهو يعدد أقول مذهب الشافعية في المسألة: (الثاني؛ وهو الصحيح المنصوص، وبه قطع العراقيون؛ جواز الرمي على قصد قتال المشركين، ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان، لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ولا يبعد احتمال طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة للأمور الكليات) [2] .
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: ("وإن كان فيهم مسلم"؛ واحد فأكثر،"أسير أو تاجر جاز ذلك"؛ أي إحصارهم وقتلهم بما يعم، وتبييتهم في غفلة، وإن علم قتل المسلم بذلك، لكن يجب توقيه ما أمكن،"على المذهب"؛ لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم) [3] .
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: (وإن تترسوا بأسارى المسلمين أو أهل الذمة؛ لم يجز رميهم إلا في حال التحام الحرب والخوف على المسلمين، لأنهم معصومون لأنفسهم، فلم يبح التعرض لإتلافهم ضرورة، وفي حال الضرورة؛ يُباح رميهم لأن حفظ الجيش أهم) [4] .
القضية الخامسة
في بيان حقيقة الضرر
الذي جوَّز الفقهاء لأجله ضرب الترس المسلم
أو رمي الحصن الذي يوجد فيه مسلمون
فإذا تأملنا في كلامهم حول السبب الذي أجازوا به رمي الكفار مع تترسهم بالمسلمين مما قد يؤدي إلى قتلهم؛ لرأينا أن مدار ذلك على دفع الضرر المتوقع حصوله إن لم يقم المجاهدون بذلك.
بل نص شيخ الإسلام - كما رأينا سابقا - أن الرمي في مثل هذه الحالة هو موضع اتفاق بين الأئمة، وإن أدى ذلك إلى قتل المسلمين المتترَس بهم، فلا بد أن يكون للضرر
(1) الجوهرة النيرة: 2/ 258.
(2) روضة الطالبين: 10/ 246.
(3) تحفة المحتاج: 9/ 242.
(4) الكافي: 4/ 268.