فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 38

وإنما ذكَّرت بهذه القاعدة الأصولية في هذا الموضع لنستصحبها عند ذكر بعض الأدلة اللاحقة التي اعتمد عليها الفقهاء في تقرير هذا الحكم، والتي قد تكون بأفرادها وأعيانها أو بمجموعها هي مستند الإجماع ومعتمده.

الدليل الثاني؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، مع أن فيه نساءهم وأطفالهم، ومثل هذا يعم به القتل غالبًا:

وكذلك جرت عادة قادة المسلمين وجيوشهم من لدن الصحابة رضي الله عنهم بنصب المجانيق على الحصون ورميها بها، مع العلم بوجود من لا يحل قصد قتله من النساء والولدان وغيرهم.

قال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله في مناقشته الأوزاعي: (ولوكان يحرم رمي المشركين وقتالهم إذا كان معهم أطفال المسلمين؛ لحرم ذلك أيضا منهم إذا كان معهم أطفالهم ونساؤهم، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والأطفال والصبيان، وقد حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف وأهل خيبر وقريظة والنضير وأجلب المسلمون عليهم فيما بلغنا أشد ما قدروا عليه، وبلغنا أنه نصب على أهل الطائف المنجنيق، فلو كان يجب على المسلمين الكف عن المشركين إذا كان في ميدانهم الأطفال لِنَهْي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم لم يقاتلوا، لأن مدائنهم وحصونهم لا تخلو من الأطفال والكبير الفاني والصغير والأسير والتاجر، وهذا من أمر الطائف وغيرها محفوظ مشهور من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته، ثم لم يزل المسلمون والسلف الصالح من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في حصون الأعاجم قبلنا على ذلك، لم يبلغنا عن أحد منهم أنه كف عن حصن برمي ولا غيره من القوة لمكان النساء والصبيان ولمكان من لا يحل قتله لمن ظهر منهم) [1] .

فأما حصار النبي صلى الله عليه وسلم للطائف؛ فهو في الصحيحين، وأما رميهم بمالمنجنيق؛ فقد رواه أبو داود في المراسيل عن ثور عن مكحول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب على أهل الطائف المنجنيق) .

قال الحافظ ابن حجر: (ورواه الترمذي فلم يذكر مكحولًا، ذكره معضلًا عن ثور، وروى أبو داود من مرسل يحيى بن أبي كثير قال: حاصرهم رسول الله شهرًا، قال الأوزاعي فقلت ليحيى: أبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك وقال: ما نعرف ما هذا! وروى أبو داود في السنن من طريقين أنه حاصرهم بضع عشرة ليلة، قال السهيلي: ذكره الواقدي كما ذكره مكحول) [2] .

وقال الإمام الجصاص الحنفي رحمه الله مستدلًا بأثر مكحول المذكور: (نقل أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق، مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان،

(1) الرد على سيرة الأوزاعي: 66، وقد نقله عنه الإمام الشافعي رحمه الله في"الأم": 7/ 350

(2) تلخيص الحبير: 4/ 104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت