فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 38

وفي هذا يقول الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله: (وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم؛ وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين، لأن القصد في الحالين رمي المشركين دونهم) [1] .

الدليل الخامس:

دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما، أو دفع الضرر العام بارتكاب الضرر الخاص، وهي قاعدة مُتفق عليها بين العلماء، وإن وقع الاختلاف في تنزيلها على بعض جزئياتها.

والمفسدة العظمى المدفوعة هنا؛ هي الفتنة والضرر والفساد الكبير المترتب على ترك الجهاد في سبيل الله لأجل ما بأيدي الكفار من الأسرى أو ما بينهم من التجار ونحوهم، فالأمر دائر بين الضرورة والحاجة، وفي الحالتين إنما هو دفع لأكبر المفسدتين بارتكاب أدناهما.

فالأول؛ حيثما يكون الجهاد متعينًا بمداهمة الكفار لديار الإسلام، حيث يقع الضرر العظيم على المسلمين بتركه، إذ يفضي ذلك إلى تسلط الكافرين وإفسادهم للدين والدينا، كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] ، وقال عز وجل: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] .

والثاني؛ حيث لم يبلغ مرتبة الاضطرار، وذلك حينما يكون الجهاد جهاد طلب، فإن تركه لأجل من يُقيم بينهم من النساء والذرية والتجار والأسارى؛ يؤدي إلى تعطيل الجهاد المأمور به شرعًا، لا سيما إذا علم الكفار أن ذلك يكف المسلمين عنهم، فربما ارتكبوه تعمدًا وقصدًا؛ تلافيًا لهجوم المسلمين عليهم.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وكذلك في باب الجهاد، وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حرامًا، فمتى احتيج الى قتال قد يعمهم مثل الرمى بالمنجنيق والتبييت بالليل؛ جاز ذلك، كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق، وفى أهل الدار من المشركين يبيتون، وهو دفع لفساد الفتنة أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله، وكذلك مسألة التترس التى ذكرها الفقهاء، فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر؛ فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي الى قتل اولئك المتترس بهم؛ جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد الا بما يفضي إلى قتلهم؛ ففيه قولان، ومن يُسوغ ذلك يقول؛ قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء) [2] .

(1) أحكام القرآن: 5/ 275.

(2) مجموع الفتاوى: 20/ 52 - 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت