القضية الثالثة
ثمة مسألة طرحها الفقهاء كثيرًا وناقشوها وفصَّلوا أحوالها ونوَّعوا صورها واستوعبوا أحكامها في كتب الفقه والتفسير، تبعًا لوقوعها في أزمانهم وتجاذب أطرافها وقيام موجبها بينهم.
وهي ما تعرف بمسألة"التترس".
وحيث أن الفقهاء الأولين الراسخين لم يُهملوا هذه المسألة ولم يضربوا عنها صفحًا؛ كان ذلك منة من الله على الآخرين اللاحقين ليتتبعوا آثارهم ويحققوا أدلتهم ويفهموا حججهم وبيناتهم، {ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38] .
فتسمية هذه المسألة أصالة مأخوذ من"الترس"، وهو الآلة الحربية المعروفة التي يقي بها المقاتل نفسه من ضربات عدوه ورميه وطعنه، وهو من عدة الحرب.
ومنه حديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: (كان أبو طلحةَ يَتَتَرَّسُ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتُرْسٍ واحد) .
فالكفار قد يتخذون من بأيدهم من الأسرى المسلمين والذميين"تُرسًا"، يردون بهم هجوم جيش المسلمين عليهم ويتقونهم به، حيث يجعلونهم في مواضع وأماكن لا يمكن لجيش المسلمين الوصول إليهم والنيل منهم إلا بقتل وإصابة من بأيديهم من الأسارى، فيكون ذلك مانعًا للجيوش الإسلامية من الإقدام، ورادعًا لهم عن الهجوم والرمي، إذ إن إحجام المسلم عن قتل أخيه والتردد في ذلك مغروس في قلبه، بل هو دأب كل أحدٍ مع بني قومه - كما هو مشاهد - وكذا الحال مع مَن هو في ذمتهم.
إذًا فهذه الصورة واردة بلا ريب، وغالبًا ما أثارها الفقهاء إلا لوقوعها أو قوة توقعها، ولهذا لا يكاد يخلو كتاب من كتب الفقه من ذكرها وإتباعها لأحكام الجهاد.
وهي بهذه الكيفية المخصوصة التي يصورها بها الفقهاء؛ لم أر لها ذكرًا في الأحاديث النبوية ولا في سيرة الصحابة القتالية، مما يقوي القول بأنها من النوازل التي طرأت لاحقًا وبعد توسع رقعة الدولة الإسلامية.
وعلى كل حال فبتتبع الصور التي ذكرها الفقهاء لمسألة التترس، يظهر أن لها حالتين: