فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 38

القضية الثانية

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) [1] .

وما جاء في هذا الحديث من ذكر الحالات التي يباح فيها دم المسلم؛ هو بعض ما جاء مستثنى في آيات متعددة متكررة ناهية عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] ، وغيرها من الآيات.

إلا أن القتل الجائز شرعًا ليس محصورًا في الصور الثلاث التي وردت في الحديث المذكور، ولهذا فإن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا وتنوعت وجهاتهم في الجمع بين دلالة هذا الحديث الصريحة في أن دم المسلم لا يباح إلا بواحدة من الحالات الثلاث وبين الأحاديث والآيات الأخرى التي نصت أو أشارت إلى إباحة دم المسلم في غيرها.

-كإباحة قتال طائفة البغاة المنصوص عليها في قول الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] .

-وكقتال وقتل قطاع الطريق المسلمين المذكور حكمهم في قوله عزو وجل: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] .

-وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما) [2] .

-وله من رواية عرفجة: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، فأراد أن يشق عصاكم أويفرق جماعتكم فاقتلوه) .

ونظير هذا عدة أحاديث تُبيح دم المسلم في غير الحالات الثلاث التي وردت في حديث ابن مسعود المذكور، وإن كان الأخذ بمقتضاها ليس متفقًا عليه بين العلماء.

وليس المطلب الآن هو تتبع أقوال الأئمة واستقصاء طرائقهم في الجمع بين هذه الأحاديث، فالموطن موطن اختصار، وإنما المقصود فقط الإشارة إلى أن مواضع الإباحة

(1) رواه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

(2) أخرجه مسلم عن أبي سعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت