فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 38

المذكور والمعلل به الحكم؛ معنى واضح ومحدد قصده هؤلاء الأئمة وإن تعددت عباراتهم في التعبير عن ذلك - كما سنراه - وهو ما سنحاول أن نستخلصه من أقوالهم في هذه الفقرة.

فمن ذلك؛ استيلاء الكفار على المسلمين وسيطرتهم على ديارهم:

ولا شك أن هذه هي أم المفاسد ومصدر شرورها، فمنها يتفرع ما يذكره الفقهاء من المفاسد التفصيلية والطوام الفرعية الأخرى، والتي لا يتصور وقوعها بشمول واتساع إلا حيث كانت الأمور بيد الكفار والغلبة لهم ومقاليد البلاد في قبضتهم، فيُقيمون ما أرادوا ويقصون ما شاءوا.

وذي هي بعض أقوال الفقهاء ونصوصهم في ذلك:

قال الإمام القرطبي رحمه الله: (قلت: قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية؛ أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية؛ أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها قطعية؛ أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا، قال علماؤنا؛ وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو؛ فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين؛ فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون، ولا يتأتى لعاقل أن يقول؛ لا يُقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما حصل منها عدم أو كالعدم، والله أعلم) [1] .

وواضح من كلام الإمام القرطبي رحمه الله تعالى تنصيصه على المفسدة العظيمة التي لأجلها جوَّز قتل الترس، وهي استيلاء الكفار وعلوهم على الأمة، وهي أصل المفاسد - كما أشرنا قبلا - فينتج من ذلك؛"ذهاب الترس والإسلام والمسلمين"، إذ بعلو الكفار وسيطرتهم على الأمة صارت الأمور كلها بأيديهم، ومعلوم لدى كل أحد شدة وحرهم ووغرهم على الإسلام والمسلمين، وهم يتربصون بهم الدوائر، حيث لن يرضوا من الأمة بأقل من ارتدادها ارتدادا كاملا عن دينها ونبذها لشريعة ربها، سالكين في سبيل تحصيل ذلك كل ممكن ترغيبا وترهيبًا وكيدا ومكرًا وتلبيسا وتدليسًا.

قال الله تعالى: {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2] ، وقال سبحانه: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ

(1) تفسير القرطبي: 16/ 287.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت