تعود أسباب الخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين إلى أسباب عديدة من أهمها:
أولًا: الأسلوب والطريقة التي تتبعها المدرسة في السماع والقياس والتعليل، فمثلا ًتحديد السماع والقياس عند البصريين, بينما عكسه عند الكوفيين الذين توسعوا في السماع عن القبائل العربية، وتوسعوا في القياس حتى على القليل الشاذ, وقد توسع ذلك حتى شمل القراءات القرآنية, فالبصريون كان لهم موقف من بعض القراءات التي خالفت القاعدة النحوية عندهم، ثم شاع ذلك على بقية المدارس النحوية. وربما يعود ذلك إلى أنَّ البصرة بحكم موقعها الجغرافي على الخليج العربي جعل عملية الاختلاط بغير العرب عملية سهلة نتيجة الملاحة البحرية؛ وهذا بدوره جعل البصريين يتحرون الدقة في السماع اللغوي عن العرب بالإضافة إلى القياس على الكثرة المطردة
أما الكوفة فبحكم موقعها الجغرافي وهي في وسط العراق فكانت قليلة الاختلاط بغير العرب مما جعل الكوفيين يطمئنون إلى سلامة اللغة, ويضاف إلى ذلك أنَّ انشغال الكوفيين بالفقه جعلهم يطبقون ذلك على النحو فدعاهم إلى التوسع في السماع والقياس.
ثانيًا: التنافس العلمي وإثبات الذات، وهذا أمر غرزي في جبلة الناس كلّ يحب أن يجد لنفسه المكانة, والقدمة، سواء كان على مستوى المدرسة الواحدة أو على مستوى المدارس, وهذا أذكى شعلته بين المدرستين الخلفاء العباسيون الذين لعبوا دورًا هامًّا في تفضيل النحاة بعضهم على بعض، وتقريبهم منهم، بالإضافة إلى إجراء المناظرات بينهم مما جعل الخلاف يدب بينهم، فالعباسيون كانوا يميلون إلى الكوفيين, ويحاولون الانتصار لهم في المناظرات التي كانت تقام مع نحاة البصرة، وقد دونت المؤلفات الكثير من هذه المناظرات مثل ما دار بين الكسائي وسيبويه، وبين الكسائي والأصمعي، وبين المازني وابن السكيت، وبين المبرد وثعلب, ومن نحاة بغداد بين الزجاجي وابن كيسان. وقد أفرد السيوطي لذلك بابًا في كتابه (الأشباه والنظائر) سمَّاه (فن المناظرات والمجالسات والمذاكرات) [13] , كما ألف الزجاجي كتاب أسماه (مجالس العلماء) تحدث فيه عن مجالس العلم والمناظرات بين النحاة.
ثالثًا: إنَّ من الأسباب أيضًا العصبية الإقليمية فكل يريد القدمة لبلده, ومن الجدير بالقول: إنَّ الخلاف بين البصرة والكوفة يعود إلى الأحداث الأخيرة من زمن الخلافة الراشدة, حيث بعد مقتل عثمان رضي الله عنه, وتولي علي- كرم الله وجهه- الخلافة حدث ما حدث بين المسلمين نتيجة القلة المنافقة التي أشعلت نار الفتنة, وكان نتيجة ذلك أن حدث الخلاف بين البصرة والكوفة, فقد عرفت البصرة بأنها عثمانية الولاء, ويدلل على ذلك أنَّ عائشة رضي الله عنها, والزبير وطلحة