الصفحة 13 من 28

التجديد في تلك المحاولات؟ بل ما هو المفيد الذي يمكن استثماره في تعليمية مادة النحو (didactique de la grammaire) خاصة، والعربية عامة؟

يرى بعض الدارسين أن» محاولات التيسير التي ظهرت في الكتب المدرسية حديثا لم تقدم جديدا، ولم تفعل شيئا يعيد للنحو حيويته؛ لأنها لم تصصح وضعا، ولم تجدد منهجا، ولم تأت بجديد إلا إصلاحا في المظهر، وأناقة في الإخراج. أما القواعد فقد بقيت على حالها كما ورثناها، حتى الأمثلة لم يصبها من التجديد إلا نصيب ضئيل « (55) . وهو رأي فيه شيء من المبالغة في توهين الجهود التي بذلها اللغويون والمربون لحل مسألة القواعد. وكذلك فيه جانب كبير من الحقيقة، لأن الواقع الذي هو عليه المادة النحوية في الكتب والمقررات التعليمية يؤكد فشل جل محاولات الإصلاح والتجديد، إن لم نقل كلها. فتلك المحاولات سلكت طريقا مسدودة، واستنفذت جهودها في أرض بور، فكانت النتيجة العملية صفرا أو قريبة من الصفر.

إن توجه كل محاولة لتيسير النحو يتأسس على نوع الفكرة التي يحملها الدارسون حول مفهوم التيسير بمعنى أن التصورات التي يحملها الميسرون حول مفهوم التيسير تؤثر سلبا وإيجابا في جانبه الإجرائي (56) . وعليه، فإن انطلاق المجددين والمصلحين من مفاهيم وتصورات قاصرة عن فكرة التيسير أدى إلى اقتراح بدائل مشوهة أو خاطئة أو ناقصة.

وما يلاحظ على كل تلك المحاولات أنها لم تدرس أزمة النحو التربوي في ظل التعليمية (علم التدريس (la didactique ؛ أي أنها لم تبحث عن حل لهذه المسألة - وهي فرع من فروع اللغة - في إطار دراسة تسهيل تعليم وتعلم اللغة ككل، وأنها في تيسيرها للنحو وقع عندما خلط بين النحو العلمي التحليلي المجرد، والنحو التعليمي الوظيفي. والأغراب من ذلك كله أنها أرجعت مسألة تعقد القواعد إلى المادة النحوية في حد ذاتها، ولم تشر إلى الطريقة، هذا مع العلم أن جوهر المشكلة هو الطريقة التي يعرض بها النحو على المتعلمين. فلغتنا العربية غير مخدومة تربويا، وطرائق تدريسها متخلفة جدا وغير علمية.

إن التيسير لا يعني استبدال مصطلح نحوي مبهم بآخر جلي واضح، أو بتعويض تعريف معقد بآخر سهل مبسط، أو بإعداد مقررات مختصرة عوضا عن المقررات الطويلة المكثفة، أو بحذف أجزاء من النحو والإبقاء على أجزاء أخرى .... إنما التيسير هو:

أولا: انتقاء علمي للمادة النحوية، يتضمن تأملا وتفكيرا في طبيعة هذه المادة المدرسة، وكذلك في طبيعة وغايات تدريسها، ثم إعدادا لفرضياتها الخصوصية، انطلاقا من المعطيات المتجددة والمتنوعة باستمرار في اللسانيات وعلم النفس وعلم الاجتماع والبيداغوجيا ... الخ (57) .

ثانيا: عرض جديد لموضوعات النحو، وترسيخ لها بطرق حية جذابة فيها إبداع وابتكار، وعلى هذا ينبغي أن تنصب جهود التيسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت