إلى جانب هذه العينة من المحاولات النظرية الحديثة التي استضاء بها المجددون والمصلحون في ميدان التيسير، نذكر محاولة عملية للأستاذ"عبد المتعال الصعيدي"في آخر كتابه"النحو الجديد" (48) . فبعد دراسته التقييمية لخمس محاولات لتجديد النحو، قدم بديلا غاية في الإيجاز، في ثماني وعشرين صفحة، قال عنه:» إن إخواني الأزهريين سيسرهم أن واحدا منهم وصل إلى هذا التجديد في النحو، قبل أن يصل إليه غيرهم « (49) .
حاول الأستاذ الصعيدي أن يرتب أبواب النحو ترتيبا جديدا، غير أنه لا يتعدى الشكل،» وكان من مظاهر تجديده المزعوم: تقسميه الفعل إلى قياسي وسماعي (50) ، وإغفاله تقسيم الكلمة إلى معرب ومبني، ولكنه حين حاول التيسير في جزئيات الأبواب عرض للمبتدأ، فجعله ثلاثة أنواع: مبتدأ مرفوع ومبتدأ منصوب، ومبتدأ يرفع وينصب (51) ، ولم يكن المبتدأ في النحو القديم إلا نوعا واحدا. هذا إلى ما اتسمت به محاولته من إيجاز مبالغ فيه، كأن الغرض من التجديد إخراج نحو غاية في الإيجاز! أو كأن الغاية منه هي الإبداع في إخراج أوجز المتون « (52) .
لا شك أن البحث في تيسير النحو وتعليم العربية كالبحث في قطاع من قطاعات المعرفة، لا يمكن أن يرقى إلى المستوى المطلوب إلا إذا تحول من مستوى الجهد الفردي إلى المستوى الجماعي. ومن الجهود الجماعية التي بذلت لحل مسألة القواعد وتدريسها الإسهامات المجمعية؛ ففي أعمال مجمع اللغة العربية والمجامع العلمية الإقليمية عشرات من القرارات التي تتعلق بتيسير مادة النحو، إلا أنها لم تحظ بالنجاح على الرغم من اشتمالها على جملة من القرارات الصالحة للبحث والتمحيص. ويجد المتتبع لهذه الأعمال في الخمسين سنة الماضية أن قراراتها موجزة، تحتاج إلى دراسة مفصلة، وتجربة ميدانية واسعة النطاق في أكثر من بلد عربي، للاستطلاع على النتائج التي تؤدي إلى إقرارها في البرامج أو تعديلها أو العدول عنها نهائيا.
أضف إلى ذلك أن هذه القرارات تعرضت لكثير من الخلاف وعدم الاستقرار، وحدث فيها تغييرات وتبديلات كثيرة. فثمة قرارات تقرر في فترة من الفترات، ثم يعدل عن بعضها في فترة أخرى (53) .
بعد عرض موجز لنماذج من المحاولات النظرية والتطبيقية التي أنجزها اللغويون لحل مسألة القواعد النحوية وتدريسها، نطرح الأسئلة الآتية: هل استطاعت المحاولات الحديثة (54) أن تقرب النحو من عقل التلميذ ليفهمه ويسيغه ويتمثله، ويجري عليه تفكيره إذا فكر، ولسانه إذا تكلم، وقلمه إذا كتب؟ وهل فعلت شيئا يعيد للنحو التعليمي حيويته، ويشيع فيه قوة تحبب إلى التلاميذ درسه ومدارسته؟ وما مقدار