إن الكشف عن قرينة التعليق - التي دعا إليها د/ تمام حسان - تفوق صعوبتها بكثير صعوبة الكشف عن الحركة. فالقرائن كثيرة جدا، بحيث يبدو العامل النحوي مقارنة بها ألعوبة أطفال (42) .
-وكان منها كذلك ما أقدم عليه د/ مهدي المخزومي في كتابيه"في النحو العربي نقد وتوجيه"و"في النحو العربي قواعد وتطبيق"، حيث يرى أن محاولات التيسير التي ظهرت في الكتب المدرسية حديثا لم تقدم شيئا جديدا، والتيسير المنشود - في رأيه - لا يقوم على الاختصار، ولا على حذف الشروح النحوية والتعليقات والحواشي التي تملأ بطون كتب النحو، ولكنه ينبني على العرض الجديد لموضوعات النحو من خلال إصلاح شامل لمنهج الدرس النحوي وموضوعاته أصولا وفروعا (43) . وأهم هذه الإصلاحات، وأولاها بالعناية - كما يزعم - تخليص النحو مما علق به من شوائب وفلسفة حملتها فكرة العامل، تلك الفكرة التي زعم أنها حرفت النحو عن مساره، فتحول شيئا فشيئا إلى درس ملفق غريب، ليس فيه من سمات الدرس اللغوي إلا مظهره وشكله، مما أصبح به النحو درسا في الجدل يعرض النحاة فيه قدراتهم على التحليل العقلي (44) .
لقد صرح د/ مهدي المخزومي بوضوح أكثر من مرة، بأنه حاول في كتابيه أن يجدد موضوع الدرس النحوي، وأن يعيد للنحو ما فقده بإبطال فكرة العامل، إذ يقول:» فقد حاولت في هذه الفصول أن أخلص الدرس النحوي من سيطرة المنهج الفلسفي عليه، وأن أسلب العامل النحوي قدرته على العمل ... وإذا بطلت فكرة العامل بطل كل ما عقّدوا من أبواب أساسها القول بالعامل كباب التنازع وباب الاشتغال (45) ، ثم بطل كل ما انتهوا إليه من أحكام « (46) .
لقد بالغ د/ مهدي المخزومي في نقده للاتجاه القديم في الدرس النحوي. فكل شيء - في زعمه - أسس على أصول غير سليمة، وكل شيء تحدث عنه القدماء لا صلة له بالدرس اللغوي أو النحوي. فالأصول التي تأسس عليها النحو العربي - في نظره - ليست من النحو في شيء، بل هي دخيلة غريبة عن مجال اللغة والنحو، وليست الحركات في زعمه آثارا للعوامل، ولكنها عوارض لغوية اقتضاها أسلوب العربية، وليس في النحو عامل، وكل ما بني على ذلك من أحكام ينهار ويزول (47) . وهذا غلو في تهوين ما قام به النحاة الأوائل.
وما يلاحظ على هذه الأفكار أن د/ مهدي المخزومي هو الآخر - كسابقيه - لا يفرق بين النحو العلمي، الذي ينبغي أن يكون عميقا مجردا، وبين النحو التربوي الخاص بالتعليم. وللإشارة، فإن آراءه الجديدة ليست أصيلة، فهي في مجملها صورة طبق الأصل لما جاء في كتاب"الرد على النحاة"لابن مضاء، وكتاب"إحياء النحو"لأستاذه إبراهيم مصطفى، مع شيء من الاحتجاج والتوسع والتمحل؛ إذ نكاد نلحظ ذلك في جميع أبواب كتابيه تقريبا.