الصفحة 3 من 28

، ولا يصلون بعد هذا كله إلى نتائج تتفق مع ما يصرف عليها من زمن وجهد. ومما لا شك فيه أن أسباب عديدة ساهمت - بنسب متفاوتة - في خلق أزمة النحو في المجال التربوي التعليمي، أهمها:

1 -القصور في فهم وظيفة القواعد، وعدم وضوح الأهداف من تدريسها. وقد أدى هذا إلى سوء استغلالها من قبل المربين والمعلمين، وإلى فهم قاصر محدود لطبيعتها، والهدف من تدريسها. فكثيرا ما يتم تدريسها بعيدا عن الغاية المقصودة (5) .

2 -الافتقار إلى مادة نحوية تعليمية مناسبة، يتم إعدادها للمتعلمين وعرضها عليهم في ضوء مجموعة من المقاييس العلمية والتربوية والنفسية، منها ما يخص طبيعة المعرفة التي تعد لها هذه المادة، ومنها ما يخص الدارسين الذين يستخدمونها (6) .

3 -سوء إعداد معلمي اللغة العربية، وعقم طرائق التدريس المتبعة، مقارنة بما يجري في تعليم اللغات عند الغربيين.

وإلى جانب ذلك كله، هناك طبيعة المادة النحوية المدرسة في حد ذاتها، فهي - في الكتب والمقررات التعليمية - نوع من التحليل الفلسفي، فيها كثير من المصطلحات والحدود والتفريعات التي يعجز عن فهمها المعلمون، فضلا عن المتعلمين (7) .

ولحل مشكلة استعصاء القواعد النحوية على المعلمين والمتعلمين خاصة، أنجز اللغويون القدامى والمحدثون مختصرات تعليمية، وكتبا مدرسية، وبحوثا ودراسات استلهمت أفكارها من الخبرات الطويلة، والملاحظات الميدانية لواقع تعليم النحو. فمنهم من ذلل للناشئة لغته وبسط أمثلته، ومنهم من اختصر قاعدته، ومنهم من ساهم في توضيح طريقة تدريسه وانتقاء مادته وبناء منهجه، ومنهم من ذهب إلى حد الغلو، فحذف جزءا من أصوله وأبوابه بدعوى أنها فضول لا خير فيه ولا يضطر إليها شيء (8) .

وباختصار، فإن الدراسات العربية التي بذلت منذ الأربعينات لحل مسألة القواعد النحوية مادة وطريقة تراوحت بين اتجاهات عديدة، جمعت بين الإفراط والتفريط؛ أي بين العناية المبالغ فيها بالقواعد النظرية التحليلية، وبين التجاهل شبه المطلق للتراث والتأليف ضده.

وبين هذا وذاك، نشأ اتجاه ثالث تميز بالاعتدال والموضوعية، لم يتزعزع أو يتأثر كثيرا بما شهدته مسألة تيسير النحو من مناقشات نظرية انطباعية مناهضة، أو مبالغة عند المجددين والمحافظين؛ هذا الاتجاه ينحو إلى الاستفادة من الخبرات والمستجدات العلمية والتقنية المكتشفة في حقل اللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات، ويتخذ ملكة التواصل - بشكل عام - نقطة انطلاق. فالقواعد النحوية في اعتقاد هذا الفريق لا تعارض الطلاقة الاتصالية، وتدريس النحو بالنسبة إليهم له فوائد عملية تشجع على تثبيت هذه المادة في برامج اللغة العربية ومناهجها. والإشكالية الأساسية عند هؤلاء تكمن في تحديد معايير انتقاء المادة النحوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت