عميقا مجردا، يدرس لذاته، وتلك طبيعته. وهذا المستوى من النحو - كما يقول الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح - يعد نشاطا قائما برأسه، أهدافه القريبة الخاصة به هي الاكتشاف المستمر والخلق والإبداع. وهذا هو الأساس والمنطلق في وضع نحو تعليمي تراعى فيه قوانين علم التدريس.
أما النحو التربوي التعليمي (15) (Grammaire pedagogique) : فيمثل المستوى الوظيفي النافع لتقويم اللسان، وسلامة الخطاب، وأداء الغرض، وترجمة الحاجة. فهو يركز على ما يحتاجه المتعلم، يختار المادة المناسبة من مجموع ما يقدمه النحو العلمي، مع تكييفها تكييفا محكما طبقا لأهداف التعليم وظروف العملية التعليمية (16) . فالنحو التربوي يقوم على أسس لغوية ونفسية وتربوية، وليس مجرد تلخيص للنحو العلمي. فعلى هذا المستوى، ينبغي أن تنصب جهود التيسير والتبسيط.
إذن، فالنحو العلمي شيء، والنحو التعليمي شيء آخر ونمط خاص، يتكون من مادة تربوية مختارة على غرار أسس ومعايير موضوعية، تراعي أهداف التعليم، وحاجات المتعلمين، وظروف العملية التعليمية. وعليه، فقد» أخطأ كثير من المعلمين حين غالوا بالقواعد، واهتموا بجميع شواردها والإلمام بتفاصيلها، والإثقال بهذا كله على كاهل التلاميذ ظناًّ منهم أن في ذلك تمكينا لهم من لغتهم، وإقدارا لهم على إجادة التعبير والبيان « (17) . ولعل أقدم تشخيص للعلاقة السلبية بين المعرفة النظرية الواعية بالقواعد والاستعمال الفعلي لها في المستوى المنطوق والمكتوب من اللغة هو ذلك الذي جاء في مقدمة ابن خلدون حيث يرى:» أن صناعة العربية [صناعة النحو] إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة [اللغة] ومقاييسها خاصة. فهو علم بكيفية لا نفس كيفية. فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما ولا يحكمها عملا ( ... ) وهكذا، العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل. وكذلك تجد كثيرا من جهابذة النحاة، والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سُئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته، أو شكوى ظلامة، أو قصد من قصوده، أخطأ فيها الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك، والعبارة عن المقصود فيه على أساليب اللسان العربي « (18) .
إن الواقع يثبت أن المعرفة النظرية للقواعد، واستظهارها بعيدا عن الممارسة والاستعمال» قليلة الجدوى في صيانة اللسان من الخطأ بدليل أن أكثر التلاميذ حفظا لها، واستظهارا لمسائلها يخطئ في كلامه أخطاء فاحشة ( ... ) وأنها كذلك عديمة الجدوى في إقدار التلاميذ على التعبير. فكثير منهم يحفظون القواعد ولكن أسلوبهم ركيك، وعباراتهم رديئة، وإنشاءهم ضعيف بوجه عام « (19) . فما النحو إلا وسيلة لضبط الكلام، وصحة النطق والكتابة. هذه غايته التعليمية التي أقرها العلماء منذ القديم» النحو هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره، كالتثنية والجمع، والتحقير، والتكسير، والإضافة والنسب،