فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 40

لأنَّ الصياغة قريبة إلى نفوسهم، وهي لا تخلو - حين يتخيّل السامع الينمة فتاةً تخطر متمايلة، وتتحدث متغنِّجة- من إشاعة بهجة وأنْس، قد يكونون - على توالي السنين، وتواتر الحروب- في مسيس الحاجة إليها.

4 -3 وحتى المرض صار في خيال العربي شاعرًا، فالحُمّى تقول:"أنا أمّ مِلْدَم: آكلُ اللحمَ، وأمصُّ الدم" [1] .

إنَّ تأمّل هذا التعبير الموجز في جمل ثلاث، يضع بين أيدينا نتائج مهمة عن أساليب العرب في أسجاعهم الاجتماعية، فهم كنّوا الحُمَّى أول الأمر، وجعلوها تعرِّف السامع بنفسها، فصارت بهاتين الصفتين كالبشر، أو هي بَشَر، فهي ذات كُنية مثلهم، والكُنية كرامة لصاحبها [2] ، وكنيتها مفزعة، لأنَّ اللَّدْم هو ضرب الخدِّ [3] ، وضربه لا يكون في الغالب إلا عند حلول المصائب، ثم هي تعرِّفهم نفسَها بصفتين شديدتَيْ الوقع، فهي تأكل اللحم (لحمهم) ، وتمصُّ الدم (دمَهم) .

وشعرية التعبير هنا في كونها تمثُل تجاه السامع كريهة المنظر، وهنا تبدو المفارقة اللفظية؛ فالمعنى المقصود مخالف للمعنى الظاهر [4] ، إذ تُكَوِّن هذه الجمل صورة فنية، ينشط لها الخيال - فنيًا- وإن كانت تثير الفزع - واقعيًا-، وهذا ما أراده الساجع؛ فهل كان قاصدًا لغير إحداث الأثر بطريق اللغة وطاقاتها الفنية؟

(1) اللسان (لدم) .

(2) انظر: ربيع الأبرار 2/ 383.

(3) اللسان (لدم) .

(4) انظر: المفارقة والأدب 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت