وقيمة الكناية بخاصة - وهي الغالبة على الأسجاع- تتجلّى في ثنائية الدلالة، لأنَّ اهتمام القائل - والسامع من بعدُ- يصل إلى الزاوية المؤثرة في كيان التجربة [1] ، وهي التي يكون الإلحاح عليها، والعناية بها، فقوله مثلا:"وصار في الأرض لُمَع", كناية لطيفة عن العشب، جنح من خلالها الساجع إلى إحداث هِزّة الطرب بالفأل؛ لأنَّ نبات العشب والتماعه هو من أكبر مظاهر استمرار الحياة عندهم.
إنَّه الحاجة إلى نقل التجارب أوَّلًا، ذلك أن تعاهُد المعاني بصياغة موجزة واضحة موقّعة أدعى إلى بقائها على الألسن، وانتقالها من جيل إلى جيل، والعمل بمقتضاها.
وهذا القصد مشهودٌ له بالتحقُّق، وهو قصدٌ صرّح به بعض البلغاء، فعبد الصمد الرقاشي, يُسأل: لِمَ تُؤْثِر السجع على المنثور، وتُلزِم نفسك القوافي وإقامة الوزن؟ [2] ، فيقول:"إنَّ كلامي لو كنت لا آملُ فيه إلا سماع الشاهد، لقلَّ خلافي عليك، ولكني أريدُ الغائبَ والحاضر، والراهنَ والغابر، فالحفظُ إليه أسرع، والآذانُ لسماعه أنشط، وهو أحقُّ بالتقييد، وبقلَّة التفلُّت، وما تكلّمت به العرب من جيِّد المنثور، أكثر مما تكلّمت به من جيِّد الموزون [3] ، فلم يُحفَظ من المنثور عُشْرُه، ولا ضاع من الموزون عُشْرُه" [4] . وهذا
(1) انظر: جماليات الأسلوب 142.
(2) المراد بالقوافي وإقامة الوزن هنا أن يكون الكلام مسجوعًا.
(3) المراد بالموزون الكلام المسجوع أو المزاوج.
(4) البيان والتبيين 1/ 287.