فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 40

وانكسار البرد،"وتلاقت الرعاء بالنمائم"، قيل في شرحها:"لأنهم حينئذ يفرغون، ولا يشغلهم رعي، فيتلاقون ويدسُّ بعضهم إلى بعض أخبار الناس" [1] .

وهذه الصور الفنية مكتملة العناصر، فهي مستقاة من عالم حسِّي،"ابتغى الراعي شُكَيَّة"،"نشَّت الغُدران"،"عرِقت العِلْباء". ولا شكَّ في أنَّ"الصور الحسِّية التي تعبِّر عن موقف إنساني عام هي أكثر الصور تأثيرًا" [2] . وأكثرها يعبِّر عن الطبيعة البدوية الغالبة على العرب، فالألفاظ مشتقة من تلك البيئة، وصادرة عنها.

وهي وثيقة الصِّلة بعالم نفسي يعيشه الساجع، وما تلك الجمل التي تحوي توجيهًا إلا ترجمة لآراء الساجع في الحياة والناس.

والانفعال ظاهر فيها، فقوله مثلًا:"تنازَت السَّفَهَة، وقلّت في الأرض الرُّفْهَة", يعبِّر عن انفعال الساجع تُجاه بعض ما لا يرضى من واقعه في الجملة الأولى- واختيار لفظ (السفَهَة) مؤذنٌ بهذا - وانفعالٍ نفسيٍّ آخر تُجاه ما يرى الناسَ عليه من الضيق وقلّة المتَع في الجملة الأخرى. وقوله:"وصار أهل البوادي في كرْب", تعبير دقيق عمّا يقاسيه أهل البوادي عند احتدام البرد، وقد عبَّر عنه بصورة فنية تترجم ذلك التفاعل الذي يعيشه الساجع مع قومه.

أمَّا القيمة, فهي متمثِّلة في إعطائها صورةً كاملة عن أحوال العرب مع تقلُّب أجوائهم، ويمكن عدُّ أسجاع الأنواء - مجتمعةً- صورةً كلِّيّة، أشبهَ بلوحة فنية، تُوجز أحوال العرب في معايشهم وسُبُل تكيُّفهم مع بيئتهم، وما يطرأ عليها من تغيرات.

(1) السابق 113.

(2) الصورة الفنية في النقد الشعري 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت