لهذا كان المسح الشامل لتاريخ الفكر البشري، والفلسفات الاجتماعية والدراسات العلمية التي عاصرت تطور الدراما، وأثرت عليه عبر التاريخ، وكان عاملا حيويا بالنسبة للمبدع الدرامي"المؤلف والمخرج"، ومما أهله كذلك لفهم واستيعاب القواعد المتطورة للبناء الدرامي، والحوار، والفعل، وغيرها من الأشكال والرموز الفنية الحديثة التي تتماشى وتطورات العصر، والتي يتقبلها المستمع أو الملتقي بكل صدر رحب.
في طبيعة كل إنسان شيء ما يدفعه إلى محاكاة الآخرين في طفولته، ثم يكبر هذا الشيء مع كبر سنه، فيتحول إلى شوق دائم لرواية الأحداث أو الاستماع إلى روايتها، ولقد أطلق البعض على هذا الشعور لدى كل إنسان:"الرغبة الدرامية"، واعتبرها البعض نقطة ضعف بشرية، والحقيقة أن فن الدراما موجود في دماء كل منا، نحب أن نصنعه أو نتفاعل معه، ولا يمكن لأي منا أن ينسى أمتع لحظات طفولته، وهو يستمع إلى حكايات جدته ويشد إليها شدا، ثم ينام ليعيشها في أحلام منامه كما عاشها في أحلام يقظته.
والدراما تعريفا هي فن الأفعال الإنسانية، وكلمة"دراما"تعني الحركة المتجددة، ولا بد لأي عقل إنساني كي يسمى دراما من أن يكون فعلا تاما، يحتوي على صراع بين قوتين، كصراع الإنسان مع نفسه، أو صراع الإنسان الخيِّر مع الإنسان الشرير، أو صراع الإنسان مع بيئته، أو صراع الإنسان مع القدر، فكل ذلك فعل إنساني، يتم فيه صراع ذو مبررات، ينتهي بنتائج منطقية ومقبولة. وباعتبار الدراما فعل إنساني فهي إذن تعتمد على المحاكاة،"وهي تقتبس مادتها من الحياة"وكلمة تقتبس يجب الانتباه إليها،