فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 234

ثانيا: هذا الحديث لا يسعف أصحاب البيان في استدلالهم في المنع من إطلاق تكفير المعين , لان النبي عليه الصلاة والسلام قال في نص الحديث: (من قال لأخيه) وهنا المشايخ الذين كفروا فلانا أو فلانا كتركي الحمد أو غيره إنما كفروه لاعتقادهم انه كَفَر وليس للاخوة وجود عندهم مطلقا , فالمقصود بالحديث هو المنع من أن يكفر المسلم أخاه المسلم لمجرد الهوى أو ما شابهه , وإلا لو صح استدلالهم لقلنا بإغلاق باب تكفير المعين , ولو أردنا أن نبين اكثر على سبيل الواقع لقلنا إن كل حكم صدر من أحد علماء الإسلام في السابق واللاحق من الممكن أن نسحبه على فهم هؤلاء على هذا الحديث ومن ثم تنسف كل أحكامهم , ولو أرادوا الحق والتبيين لكن الأولى بهم أن يذكروا كل ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالقضية دون استثناء لبعضها عند العرض حتى تستوفى المسألة , ولهذا نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول (من بدل دينه فاقتلوه) وليس لذكر (الاخوّة) هنا معنى لعدم وجود مقتضاها , ثم لو صح استدلالكم لم تصح طريقة عرض المسألة لأن الأولى أن يتحدث البيان عن القضية من أصولها لا أن يعرض لنا حديثا أو حديثين , ثم يسوق القضية على فهمه , علما أن هذه المسألة حررها أهل العلم في مصنفاتهم وبوبوا عليها بقولهم: باب حكم المرتد , فأين الإنصاف في العرض والحكم .. ؟!!

ثم ذكر البيان قوله: مادام ثمت مجرد احتمال ألا يكون الموصوف كافرا فلا يحل لمسلم أن يطلق عليه هذا لأنه يرجع عليه , وفي المتفق عليه أيضا عن أبي سعيد الخدري في قصة الذي قال: (اعدل يا محمد) .. فقال عمر: إئذن لي فاضرب عنقه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (لعله أن يكون يصلي) . أيضا هذا الكلام فيه تلبيس من وجهين:

الوجه الأول: الإيهام أن ترك قتل هذا الرجل (لاحتمال) كونه يصلي كما هي حجتهم في نقلهم لهذا الحديث , وأن الصلاة لوحدها عاصمة من القتل أو الحكم بالردة عند الاستحقاق كما يفهم من كلامهم , وليس لامر آخر , ونقول للموقعين: لا يخفى عليكم أن من نزل فيهم قوله تبارك وتعالى (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) أن أولئك يصلون , وأنهم يشهدون الشهادتين قبل ذلك , وهم في طريقهم إلى رفع الجهاد ذروة سنام الإسلام , وحالهم إذا قسناها مع حال الأعرابي أوضح وأبين , فليس فيها مجرد احتمال بل فيها اقرار بأنهم مسلمين كما قال تعالى (قد كفرتم بعد إيمانكم) , ومع ذلك نزل تكفيرهم عند قيامهم بمقتضى التكفير , ولا يخفى على الموقعين أيضا أن اتباع مسيلمة الكذاب من المصلين كما سوف نبينه , والموقعون على البيان يقرون أيضا أن من أنكر معلوما من الدين بالضرورة كإنكار يوم البعث مثلا فهو كافر كفرا مخرج من الملة حلال الدم والمال وإن صلى وصام وزعم انه مسلم , فإطلاق مثل حديث (لعله أن يكون يصلي) هكذا دون تقصي معانيه من العجز عن إيجاد نصوص تخدم الغرض , ثم إن القول في هذا الحديث يشبه القول في حديث عبد الله بن شقيق العقيلي رضي الله عنه حينما قال:"كان أصحاب محمد e لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة"رواه الترمذي , وهذا الحديث استوفى أهل العلم شرحه وتقريره , وحتى يزول اللبس فإن إطلاق هذا الحديث هكذا يلزم منه ترك تكفير كل من أتى بناقض من نواقض الإسلام القولية مثلا إذا كان يصلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت