الصفحة 10 من 103

وهذا المنهج المذكور-مراعاة حال ضعف سلطان الحاكم المسلم التي لا تمكنه من إقامة الحدود الشرعية، وكما هو الواقع اليوم في الساحة الجهادية- والذي دلت عليه النصوص المتكاثرة من الكتاب والسنة هو الذي أَمَّهُ وسار الأئمة العلماء رحمهم الله تعالى.

فقد أفتى الإمام البُرزلي رحمه الله تعالى أنه إذا تعذر على السلطان إقامة الحدود، جاز له أن يضع من العقوبات الزاجرة (المالية) ما يحسم مادة الفساد، ويكف الأوغاد من الاعتداء على دماء الناس وأعراضهم، فقال: (والذي أقوله الآن في بوادي افريقية وأعرابها والبلاد النائية عنها من الحواضر التي هي محل بث الشرع، وغلب الجهل، والتعرض للأموال، والأخذ بالدماء، والهروب بالحريم، وأخذ الأموال بالخيانة والغش والحرابة والمعاملات الفاسدة، أن يفعل بهم ما يقطع هذه المفاسد من التعرض لبعض مال الجاني وبدنه وسجنه عقوبة له، فيوقف من ماله ما يحسم به مادته، إما بإعطائه للمجني عليه، أو يرد عليه إن حسنت حاله، أو يوضع في بيت المال، أو يتصدق به، كما هو في بعض المسائل الآتي ذكرها. وهذا الذي تدل عليه بعض المسائل المالكية والقواعد الشرعية والاجتهادية) .

وقد تابع الإمام البرزلي ثلة من جلة العلماء وأيدوه فيما ذهب إليه، (وقيدوا الجواز بما تعذر إجراء الأحكام الشرعية في الحدود على أصلها، وأمكن إيقاع الزواجر دونها، فإنه يؤتى بما تبلغه الاستطاعة في ذلك، وتنزل أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات قياسا على الرخص المباحة للضرورة، ودفعا للمفسدة، وتوخيا تغيير المنكر على قدر الاستطاعة، وعملا بأخف الضررين، ورعيا للمصلحة العامة، وحملوا فتوى البرزلي على الضرورة) .

وممن أيد هذه الفتوى من أهل العلم:

(الفقيهان المصلحان أبو محمد عبد الله الهبطي، وأبو القاسم بن خجو .. وكانا يطوفان على القبائل صحبة بعض الفقهاء، كالفقيه موسى الوزاني، والفقيه أبي علي الحسن بن عرضون، يأمرون رؤساء القبائل بأخذ المغرم لصرفه في الغاية المذكورة) .

والغاية المذكورة هي ما قاله البرزلي -كما سبق-: (أن يوقف من ماله ما يحسم به مادته، إما بإعطائه المجني عليه، أو يرد عليه إن حسنت حاله، أو يوضع في بيت المال، أو يتصدق به) .

(وأيد فتوى البرزلي كذلك كل من الشيخ يحيى الولاتي واعتبرها محكمة غير منسوخة، والشيخ الرهوني كذلك) .

وقد نظم بعضهم (أبو القاسم العميري) أسماء أهل العلم الذين تابعوا البرزلي في فتواه فقال:

(وتابع البرزلي ابن العقدة * مع ابن خجو أحلى ما قد عقده

وأوضح القول به الوزاني * موسى بما اعتنى عن الأوزان

وفي جواب العربي الفاسي *كلام قد جل عن القياس

مثل الذي لابن ميارة الودود * جوازه عند تعذر الحدود ... ). [1]

وقال ميارة المشار إليه في النظم ما نقله عنه الإمام التسولي المالكي رحمه الله: (إلا أن كلام البرزلي، ومن رد عليه هو -والله أعلم- مفروض مع وجود الإمام وتمكنه من إقامة الحدود وإجرائها على مقتضاها، ولا شك أن العدول عنها إلى غيرها حينئذ تبديل للأحكام، وحكم بغير ما أنزل الله. وأما مع عدم الإمام أو عدم التمكن من إقامة الحدود، وإجرائها على أصلها، فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال وعدم الزجر، وترك القوي يأكل الضعيف. فعظم المفسدة في ذلك يغني فيه العيان عن البيان، وذلك مفض لخراب العمران، وهدم البنيان. بل إذا تعذرت إقامة الحدود، ولم تبلغها الاستطاعة، وكانت الاستطاعة تبلغ إلى إيقاع تعزير يزدجر به، تنزلت أسباب الحدود، منزلة أسباب التعزيرات، فيجري فيها ما هو معلوم في التعزير. وليس المراد أن الحد يسقط بذلك، ولكن غاية ذلك ما تصله الاستطاعة في الوقت دفعا للمفسدة ما أمكن، فإن أمكن بعد ذلك إقامة الحد أقيم إن اقتضت الشريعة إقامته، والظالم أحق أن يحمل عليه) . [2]

وقال الإمام التسولي رحمه الله بعد إيراده لكلام الأئمة في المسألة: (وقد تحصل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدا معلوما -كالزنى، والسرقة، والحرابة، والقذف، ونحوها- لا جوز فيه العقوبة بالمال اتفاقا، لما فيه من تبديل الحدود المعينة من الشارع سبحانه لقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، {الظَّالِمُونَ} ، {الْفَاسِقُونَ} ، اللهم إلا أن يتعذر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ، ارتكابا لأخف الضررين، ودفعا لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحد إن زال العذر على ما مر عن هؤلاء الشيوخ) ـ. [3]

(1) ينظر مقدمة محقق رسالة الشماع رحمه الله (مطالع التمام) ص 16 وما بعدها.

(2) أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر الجزائري - ص153.

(3) أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر الجزائري -ص 162 - 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت