الصفحة 11 من 103

هذا والمسألة المذكورة ليست محل اتفاق بين فقهاء ذلك الوقت، بل فيهم من خالفها مخالفة شديدة وانتقدها انتقادا لاذعا كما فعل القاضي (أبو العباس أحمد الشماع الهنتاني) عصري الإمام البرزلي صاحب الفتوى، المتوفى سنة 833 رحمهما الله، الذي صنف رسالة في نقض هذه الفتوى سماها (مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام في رد إباحة إغرام ذوي الجنايات والإجرام زيادة على ما شرع الله من الحدود والأحكام) .

والمقصود بيانه مما سبق هو وجوب مراعاة حال الضعف و القوة وغيرها من الظروف والملابسات أثناء الكلام في مثل هذه النوازل؛ فإنزال النصوص المتعلقة بحال القوة على حال الضعف يؤدي إلى الوقوع في ما لا يحمد عقباه كإنزال النصوص المتعلقة بحال الضعف على حال القوة سواء؛ وأن ما لا يجوز في حال القوة يجوز في حال الضعف من باب {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . [1]

وأما جواب النقطة الثانية: (في حال ما إذا أدى تطبيق حد من الحدود -مع وجود السلطان- إلى مفسدة تربوا على مصلحة إقامته) .

فأقول وبالله التوفيق:

قدمنا أن الغرض من تشريع الأحكام هو غايتها والمصلحة المتوخاة منها وكل حكم تقاعد عن تحقيق مقصوده فهو عبث وباطل وقد قدمنا قول الشاطبي رحمه الله: (وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة؛ فالفعل غير صحيح وغير مشروع) .

أي إن كان ظاهر العمل موافقا للنص الشرعي ولكنه مخل بالمصلحة المقصودة منه أي من النص فالفعل يصير (غير صحيح وغير مشروع) .

ومثاله: تطبيق حد السرقة -مع ثبوت الشروط- المفضي إلى خلاف المقصود منه -لوجود المانع- -كما سيأتي في كلام ابن القيم- فالعمل الظاهر -إقامة الحد- موافق للنص {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [2] ولكن الفعل غير صحيح ولا مشروع لأن المصلحة المقصودة بالنص أهدرت بسبب معارضتها بمفسدة تربوا عليها.

يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:

(1) البقرة: من الآية:173.

(2) المائدة: من الآية:38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت