(فصل: [النهي عن قطع الأيدي في الغزو] .
المثال الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( نهى أن تقطع الأيدي في الغزو ) )رواه أبو داود، فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم).
وقد أورد هذا الحديث تحت عنوان، (فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) .
ثم أعقبه بقوله: (هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها .. ) . [1]
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن معمر السنوسي حفظه الله في فقه حديث (( نهى أن تقطع الأيدي في الغزو ) ): (إقامة الحد على من ارتكب أحد موجباته أمر مفروض، وأمانة في أعناق أولياء الأمور، ولكن نهي عنه في أثناء الغزو أو في أرض العدو، لكون ذلك مظنة استيقاظ حمية الجاهلية في نفس من استوجبه، فيحمله ذلك على الارتداد واللحاق بالكفار فرارا من الحد وطلبا للسلامة والنجاة.
وبإزاء هذه المفسدة اللاحقة بالجاني، ثمة مفسدة هي أكثر ضررا وأعظم أثرا من مفسدة ارتداد شخص أو فراره، ألا وهي مفسدة الهزيمة وارتجاج الصف، المتسببة عن إغفال الخصوصيات الظرفية التي تحتف بالمجاهدين بين يدي العدو، وتداعي الهواجس والوساوس وخواطر التخذيل ونوازع التراجع، مما يجعل نفسية المجاهد تراوح بين صدق الولاء للدين، وبين التوجس من تفويت النفس وإزهاق الروح، أو الوقوع في أسر العدو وأغلاله.
(1) إعلام الموقعين (3/ 13) .