وعدم التمييز أو الخلط بين ما هو من صلب الفقه وما هو من صميم الاعتقاد -كما يلاحظ في الواقع الجهادي- يؤدي إلى كوارث يغني العيان فيها عن البيان ومنها تكفير من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والذي هو مفتاح باب كل شر وفتنة، والله المستعان.
5 -إن من المصائب التي دهت الجهاد هي أن المجاهدين اختزلوا الإسلام في الجهاد ثم اختزلوا الجهاد في القتال ثم اختزلوا الغاية من القتال في تطبيق الحدود مع أن الله تعالى يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .. } [1] ، وليس إقامة الحدود وحسب، إن (توفير احتياجات الناس الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن، وأخذ الزكاة وصرفها على المستحقين، وتوفير آليات فعَّالة للتظلم، والسهر على مصالح الخلق .. ، كل ذلك من تطبيق الشريعة ... ) ، فاهتمام الناس بهذه الحاجيات لا يقل عن اهتمامهم بدينهم، ولهذا يكون من الناس من يقاد إلى الحق والتزام الشرع بالسلطان (القوة) ومنهم من يقاد إليه (بالرغبة) ولهذا كان من حكمة أحكم الحاكمين أن جعل من أسهم الزكاة سهم المؤلفة قلوبهم وهم الكفار الذين يرجى إسلامهم، أو من ضعاف الإيمان الذين يراد تثبيتهم، كما أن هذا من سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس كما روى البخاري ومسلم
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا وسعد جالس، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: (أو مسلما) فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: (أو مسلما) . ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (يا سعد إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه الله في النار ) ) .
وقد بوب الإمام النووي رحمه الله على هذا الحديث بقوله صحيح مسلم (1/ 132) :
(باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه) .
وإنما أردت لفت الأنظار إلى هذه المسألة زيادة على ما سبق لأن من الناس من يكون مدفوعا إلى الوقوع في موجبات الحدود كالسرقة أو غيرها بحكم الضرورة سيما زمن الحروب والمجاعات.
(1) لأنفال: من الآية:39