الصفحة 4 من 103

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ..

من الجدير بالذكر والتذكير أن الله سبحانه ما شرع الأحكام -ومنها الحدود- إلا لحكم ومصالح ترجع عائدتها على الفرد والمجتمع على حد سواء ولو لم يرد في بيان مصلحة إقامة (الحد) إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا ) ) [1] لكان كافيا .. غير أن تحقيق ذلك وتفعيله لا يكون اعتباطيا ولا حسب ما تهوى الأنفس وإنما وفق مسارات وطرق حددتها الشريعة ذاتها لتحقق الثمرة والفائدة (المصلحة) المرجوة من تطبيق تلك الحدود وذلك عبر (توفر شروط إقامة الحد وانتفاء موانعه) فإذا انتفى الشرط أو وجد المانع -كما سنرى- امتنع التطبيق نظرا لأن مآله إلى (المفسدة) .

ولتجلية ارتباط النصوص التشريعية (استنباطا وتنزيلا) بالمصلحة رأيت أن أقدم بتمهيد مختصر عن ذلك بين يدي الكلام عن تطبيق الحدود الشرعية في واقع الساحة الجهادية فأقول وبالله التوفيق:

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في بيان أن الأحكام الشرعية إنما شرعت من أجل تحقيق مصالح ودرء مفاسد يستوي في ذلك الأحكام الجزئية والقواعد الكلية: ( .. فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة، أما الجزئية، فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته) ـ. [2]

وقال رحمه الله: (لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية؛ فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة؛ فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها؛ فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع؛ فليس على وضع المشروعات) . [3]

(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 461)

(2) الموافقات (5/ 77)

(3) الموافقات (3/ 120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت