الصفحة 5 من 103

قال الشيخ عبد الرحمن السنوسي معقبا على كلام الشاطبي المذكور: (إذن، فكما لا يستقيم استقلال المصلحة عن موجهات الحكم الشرعي القاطع، والقواعد المقررة في التشريع ـ: كذلك لا يصح أن تكون الأصول اللفظية هي وحدها مصدر المشروعية في التصرفات، لأنه تقرر على وجه القطع إثبات التلازم بين منطوق النص الشرعي ومحتواه، أي بين المدلول الظاهر والأهداف المرادة من إطلاقه) . [1]

وقال ابن القيم رحمه الله: (مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بدعة، فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل ايتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع. وكمن أعطاه رجل ثوبا فقال: والله لا ألبسه لما له فيه من المنة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله) . [2]

فالنصوص الشرعية ليست مرادة لألفاظها وصورها وإنما المراد منها هو معانيها ومقاصدها فالألفاظ قوالب المعاني فـ (العارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟) . [3]

كما أن الراسخين في العلم قد نصوا على أن تحقيق تلك الغاية (الربط بين النص الشرعي والمصلحة المقصودة للشارع منه) إنما يكون بالنظر في الأحكام الشرعية نظرا متكاملا غير مجزأ أعني أن لا تفصل الأحكام الجزئية المتعلقة بمسألة معينة عن كلياتها ولا عن مقاصد الشريعة العامة التي تعد هي المنار والدليل الذي يقود إلى إصابة الحق وتنزيل الأحكام الشرعية على مناطاتها الصحيحة، كما أنها هي الميزان الذي يلجأ إليه عند تعارض الأدلة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان أن المزاوجة والجمع بين الأصول الكلية والفروع الجزئية هو الطريق اللاحب الموصل إلى العلم الصحيح، والعدل المنشود، كما أن الحيدة عنها موقع في الجهل والظلم: (لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم) . [4]

(1) اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات ص-412

(2) إعلام الموقعين (3/ 94) .

(3) إعلام الموقعين (1/ 167) .

(4) منهاج السنة النبوية (5/ 83) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت