المسألة الأولى: حراسة عبد الجليل.
أما فيما يخص مسألة حراسة مصطفى عبد الجليل فلا أحب أن أورد الأدلة التي ساقها بعض من تكلم في المسألة من أهل العلم وطلبته وإنما الغرض إيراد طرفا منها تنبيها على غيرها وهي ـ ترك قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين ـ والمقصود بذلك بيان أن ما ظنه بعض المتعالمين زائفا هو في واقع الأمر صحيح، كما أن المقصود كذلك بيان أن هذه المسألة هي -كما نبه على ذلك أهل العلم- من مسائل الفقه وليس من مسائل الاعتقاد. فأقول والعلم عند الله:.
-يقول صاحب"فتح العليم بحكم شهداء بوسليم": (ومن العجيب ما يذكره هؤلاء من عدم التفريق بين ترك قتل المرتد لمصلحة راجحة وبين حماية المرتد ونصرته حال دعوته للردة والكفر، فيقيسون حماية الداعي للكفر أثناء دعوته، بترك قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين الذين كتموا نفاقهم ويحلفون بالله ما قالوا!) اهـ.
والرد على هذا الكلام من وجهين.
أ- قوله بأن المنافقين الذين ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم هم مَن ( .. كتموا نفاقهم ويحلفون بالله ما قالوا!) اهـ.
أقول: هذا ليس صحيحا بهذا الإطلاق بل من المنافقين من ثبتت ردتهم وترك النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم لما يترتب على ذلك من المفسدة التي تربوا على"مصلحة قتلهم"
يقول ابن القيم رحمه الله وهو بصدد بيان اهتمام الشرع بسد الذرائع [إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/ 138] :.
(الوجه التاسع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه و قولهم: إن محمدا يقتل أصحابه؛ فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه و من لم يدخل فيه و مفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم و مصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.) اهـ.
ولا يقال إن المنافقين المذكورين لم تثبت الردة في حقهم لأنه (لم تقم عليهم بينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم عليهم بعلمه، والذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قولهم لم يبلغهم إياه نصاب البينة، بل شهد به عليهم واحد فقط، كما شهد زيد بن أرقم وحده على عبد الله بن أبي، وكذلك غيره أيضا