ولكن لا حياة لمن تنادي ... في إطار تجسيدها للتطبيق العملي للشريعة الإسلامية، قامت حكومة إمارة أفغانستان الإسلامية بقيادة الملا محمد عمر بإصدار قرار يقضي بتهديم كل الأصنام الموجودة في أفغانستان وعلى رأسها صنمان ضخمان لبوذا يعود تاريخهما إلى أكثر من ألف وخمسمائة سنة والواقعان قريبا من مدينة باميان التي استردتها قوات الإمارة أخيرا من أيدي بقايا فلول قوات المعارضة الشيعية، ويعد صنم بوذا من الآلهة المعظمة والمعبودة لدى شريحة كبيرة من سكان الهند وسيريلانكا وتايلنديا وغيرها.
وكان هذا القرار قد صدر يوم الاثنين الماضي، وشرعت الحكومة في تحطيم تلك الأصنام عمليا يوم الخميس المنصرم فقد قال وزير الإعلام قدرة الله جمال: (بأن عملية التحطيم قد بدأت اليوم الخميس، وأن جميع الأصنام ستحطم بما فيها الموجودة في ولاية باميان) ، وقال: (إن التماثيل الموجودة في ولاية غزني وقندهار وهرات وجلال آباد قد تم تحطيمها) ، وقال: (إن عملية التحطيم جارية أيضا في متحف كابل) ، وأضاف: (لقد صدر أمر لكامل سلطات إمارة أفغانستان الإسلامية بالبدء في عمليات التحطيم ولا سيما لوزارتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والثقافة) .
هذا وقد توالت ردود الأفعال على هذه الخطوة الجريئة ومن جهات ودول متعددة كلها تصب في دائرة الإدانة والاستنكار وطلب التوقف والتراجع عن تطبيق قرار تحطيم"الأصنام"والتي وصفت بأنها آثار للتاريخ الإنساني.
فقد نددت أمريكا بهذا القرار وقالت: (إنه مخالف لتعاليم الإسلام!!) ، وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية: (إن الولايات المتحدة تشعر بالانزعاج من هذا القرار) ، ولعل معرفة أمريكا بتعاليم الإسلام وإدراكها لمخالفة طالبان المزعوم لها يعد من غرائب الزمان وعجائبه، فمتى كانت أمريكا المتغطرسة تولي اهتماما لأي من القيم الإنسانية؟! ومتى أصبحت تضع اعتبارا للتعاليم وتحث على احترامها؟! وهي التي ما فتئت تبيح بيضة المسلمين في كل مكان وتدعم كل مشروع يؤدي إلى إبادتهم وتشريدهم وتجويعهم وقتل نسائهم وأطفالهم وشيوخهم.
فلعل دك أفغانستان والسودان بصواريخ كروز يعد من القيم والتعاليم التي تريد أمريكا أن تعلمها للمسلمين وتفهمها إياهم، أم لعل القتل البطيء للشعب العراقي المسلم وتجويعه تحت وطأة الحصار وشن الغارات اليومية عليه هو من لب الأخلاق والقيم والأعراف التي تدعو أمريكا إلى احترامها والإعلان عنها، بل لعل الوقوف العلني والسافر بالدعم المادي والمعنوي والعسكري لليهود في فلسطين والوقوف بجانبهم قلبا وقالبا في حربهم الاستئصالية والإبادية للشعب الفلسطيني المسلم هو الصورة الحية والمثالية لاحترام أمريكا لحقوق الإنسان وهو تعبير حقيقي عن تقديرها واحترامها للشعوب المسلمة المستضعفة، تلك هي نتف من"الدروس العملية لاحترام الحقوق والتعاليم"التي تريد أمريكا أن توصلها للمسلمين وذلك من خلال استنباطها واكتشافها لمخالفة تحطيم"الأصنام"لتعاليم الإسلام
كما طالبت فرنسا المسؤولين في حكومة أفغانستان عدم تحطيم"الأصنام"، وقال متحدث باسم الخارجية الفرنسية: (إن إعلان زعيم طالبان الملا محمد عمر تحطيم جميع التماثيل من الفترة السابقة للإسلام في أفغانستان أمر مثير للذهول) .
كما أطلق أمين عام الأمم المتحدة دعوة قريبة من هذه وطالب طالبان بالحفاظ على"التراث الإنساني المشترك"! وقال إنه: (استقبل قرار التحطيم بالقلق) !، إن الحصار المطبق الذي فرضته الأمم الملحدة على أفغانستان لم يمض عليه من الزمن إلا اليسير، والأمم الملحدة وهي تصدر هذا القرار بوصاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية تعلم أن المتضرر الأول والمباشر من جراء ذلك الحصار هو الشعب الأفغاني المسلم ومع ذلك لم تبال ولم تعبأ أو تهتم، ولم"تقلق"ليس لشيء إلا لأن شعب أفغانستان شعب مسلم، وما دام هو كذلك فليس ثمة ما يدعو"للقلق"والانزعاج فحاله أهون - في عين الأمم المتحدة وميزانها - من حال صنم منحوت في أعالي الجبال لا يبصر ولا يسمع ولا يجوع ولا يشبع والذي يعد في عرف هؤلاء الكفرة"تراثا إنسانيا مشتركا"، وعليه فيجب احترامه وصونه والحفاظ عليه أما الشعب الأفغاني المسلم فلا قيمة له ولا وزن ولا يستحق"عطفا إنسانيا"، وعليه أن يتحمل الجوع والفقر وأن يكابد المشاق ويصارعها في حياته اليومية، هذا هو منطق الأمم المتحدة وذاك هو ميزانها تهتز وترتج وتذرف دموعها ويرق قلبها لزوال حجر أصم بينما تفرض أقسى العقوبات وتلزم الدول والحكومات وتصدر القرارات تلو القرارات لإبادة شعوب لأنها أبت أن تركع لها وتنساق وراء قوانينها أو تنصاع لنظمها.
ولئن انقضى العجب من تصريحات المتحدثين باسم تلك الدول والمنظمات الكافرة تجاه تحطيم هذه الأصنام فلن ينقضي من انتصاب بعض"المفتين"للتنقيب عن الحجج الواهية التي يحاولون من خلالها إثبات جواز إبقاء تلك الأصنام على حالها إرضاء للغرب وظهورا أمامهم بصورة الاعتدال والتسامح واحترام الأديان الذي عليه يدندنون وحوله يحومون ولتقريره وإثباته يهرعون، وكأن قضية المسلمين الكبرى والخطر الداهم الذي يحدق بهم ويهدد وجودهم قد اختزل في صنم أو أصنام أريد تحطيمها استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: (( ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) ).
فما لنا لم نسمع لهؤلاء"المفتين"ركزا ولا همسا تجاه معاناة المسلمين المنكل بهم في جزر مالوكو، وما لهم لم يتصدروا حلقات الفضائيات للتحريض على الجهاد في الشيشان وتبني القضية بقوة وجرأة وصراحة، ومالهم لم يحركوا ساكنا ولم يبدو فتاواهم ويظهروا رأيهم تجاه السجون والمعتقلات في بلدان المرتدين والتي تكتظ ظلما وعدوانا بالآلاف المؤلفة من شباب الإسلام، وما لنا لم نسمع لهم قولا أو نقرأ لهم كلمة بشأن حصار الظلم الذي تفرضه الأمم المتحدة على أفغانستان المسلمة، وما لهم لم ينطقوا ببنت شفة لحث المسلمين للوقوف بجانب من يموتون كل يوم بسبب موجة الجفاف العارمة التي اجتاحت - ولا زالت - أفغانستان؟!!
أم أن ميزانهم قد اختل وتغيرت كفتاه حتى صار تحطيم صنم أشد عليهم من معاناة شعب مسلم وفنائه، فمالنا لا نسمع صوتهم في التنديد والإنكار إلا حيث ينزعج ويندد الغرب الكافر، ولكن كما قال الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن أنت تنفخ في رماد ... ولو نارا نفخت بها أضاءت
إن تسامح الأديان الذي يدعو إليه هؤلاء وأضرابهم ليس في حقيقته إلا تخل عن كثير من مبادئ الإسلام وقواعده وتنصل من التكاليف الشرعية، وتحريف للنصوص الصريحة القطعية من أجل إرضاء الكفرة من النصارى وأشياعهم، والبحث عن كل شاردة وواردة وشاذة وفاذة تؤدي إلى إقناعهم - ولو على حساب حقائق الإسلام الجلية - بأن دين الإسلام متفق تماما مع ما يدعو إليه الغرب من"التسامح"واحترام الأديان والتقاء الحضارات وكأنهم لم يقرءوا قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} .