الصفحة 53 من 275

في مثل هذه الظروف وبخاصة في أعقاب 11 ايلول/سبتمبر، يمكن تفهم الرغبة الأميركية المتزايدة في السعي إلى أمن قومي قوي، والسعي إلى الحماية الذاتية من التهديدات القائمة أو المتوقعة أو المشتبه بها أو حتى المتصورة أمر مبرر، لا بسبب الدور الأمني العالمي الفريد الذي تولته الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة وحسب، بل أيضا لأن شهرتها الاجتماعية الثقافية العالمية تجعلها محط أنظار العالم. وهذا ما يبرر لأميركا السعي إلى تحقيق أمن لنفسها اكثر مما تتطلبه معظم الدول الأخرى

وحتى لو سلمنا بهذه النقطة، فما هو مدى مفهوم الأمن القومي الضيق الملائم في عصر انحسار الحروب بين الدول وتحولها إلى نزاعات واسعة الانتشار؟ وما هي النقطة التي يتخطى عندها الانشغال القومي المبرر بالأمن المحلي الخط الوهمي الفاصل بين التعقل وجنون الارتياب؟ ما مقدار الأمن الأميركي الذي يتوقف على التعاون المتعدد الأطراف وما المقدار الذي يمكن، أو ينبغي، تحقيقه بشكل احادي؟ تطرح هذه الأسئلة البسيطة خيارات أمن قومي صعبة ومعقدة، مع ما تحمله من مضامين تشريعية محلية ذات تأثير كبير. في النهاية، إذا نظرنا إلى الخاصية الدينامية السريعة التغير للتكنولوجيا الحديثة والوضع الدولي على السواء، يتعين أن تكون كل الأجوبة عرضية ومؤقتة. السلطة الوطنية والنزاع الدولي لقد أصبح مفهوم الأمن القومي الشامل خرافة الآن. ففي عصر العولمة لا يمكن التوصل إلى الأمن الشامل والدفاع الشامل. والمسألة الحقيقية هي التالية: ما هو مقدار انعدام الأمن الذي يمكن أن تتعايش معه الولايات المتحدة فيما تقوم بتعزيز مصالحها في عالم يتزايد تشابكة وتفاعلا إن انعدام الأمن، وإن يكن مقلقأ، كان ولا يزال قدر العديد من البلدان الأخرى منذ قرون، أما بالنسبة إلى اميركا، فلم يعد هناك خيار: يتعين أن يكون في الإمكان التعامل مع انعدام الأمن بالطرق السياسية وإن يكن ذلك امرة كريها على الصعيد الاجتماعي.

عند التأمل في العواقب الأمنية لهذه الحقيقة الجديدة، من المهم تذكر النقاط الواردة أعلاه. أميركا هي المجتمع الذي يحول العالم، بل إنه ثوري من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت