الصفحة 28 من 298

وللبحث العلمي المعاصر الذي يتناول الطبيعة البشرية. وهناك أسباب عديدة كانت اللغة من أجلها وستظل ذات أهمية خاصة لدراسة الطبيعة البشرية. ومن تلك الأسباب أنه يبدو أن اللغة واحدة من الخصائص المقصورة على النوع الإنساني في مكوناتها الأساسية وهي جزء من إعدادنا الأحيائي المشترك shared biological endowment (1) الذي لا يختلف فيه أعضاء النوع الإنساني إلا قليلا، مع استثناء من يصاب بعيب عضوي شديد. يضاف إلى ذلك أن اللغة تدخل بطريقة جوهرية في الفكر والفعل والعلاقات الاجتماعية. وأخيرا، فاللغة موضوع تسهل دراسته، وهي تختلف كثيرا في هذا عن بعض الموضوعات الأخرى التي نود أن يكون باستطاعتنا دراستها كالقدرة على حل المشكلات، والإبداع الفني وغيرهما من مظاهر حياة الإنسان ونشاطه.

وفي مناقشتي للتقاليد الفكرية التي أحسب أن البحث اللساني المعاصر يجد مكانه الطبيعي فيها، لا أقيم فارقا صارما بين العلم والفلسفة. إذ لم يبتدع الفارق بينهما تدع إلا في الماضي القريب، وذلك بغض النظر عما إذا كان لذلك ما يسوغه أو لا. فلم يكن المفكرون التقليديون يعدون أنفسهم"فلاسفة"حين يناقشون المسائل التي نناقشها هنا، عائين هذا الوصف متميزا عن الوصف ب"علماء". فقد كان ديكارت (2) مثلا، أحد العلماء البارزين في عصره، ومع ذلك لا يمكننا فصل ما يطلق عليه أعماله الفلسفية عن أعماله العلمية، بل الأجدر أن نعدها جزءا منها يهتم بالأسس التصورية للعلم والحدود القصوى للتأملات العلمية ودلالتها (في نظره) . كما كان ديفد هيوم في بحوثه عن الفكر الإنساني يعد مشروعه الفلسفي وثيق الصلة بمشروع نيوتن (4) العلمي. فقد كان يهدف إلى كشف عناصر الطبيعة البشرية والمبادئ التي تدخل في حياتنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت