يتبوأ نعوم تشومسكي مكانة في تاريخ اللسانيات لا يدانيه فيها إلا القلة من العلماء، فلقد بدأ توجها، جيدا في دراسة هذا الموضوع منذ أن نشر كتابه"البنى التركيبية سنة 1957 م، فأحدث بذلك ما يشبه القطيعة مع المناهج التي كانت تتبعها اللسانيات وعن الأهداف التي كانت ترسمها لنفسها. فلم يعد الهدف وصف المادة اللغوية التي يجمعها الدارس، بل صار تفسير هذه المادة تفسيرا يقصد إلى اكتشاف ما يكمن وراء الظاهر الذي تمثله هذه المادة اللغوية. وكان هذا الهدف هو الدافع وراء التغيرات كلها التي طرأت على اللسانيات منذ 1957 م. إذ يقترب كل نموذج مقترح خطوة من ذلك الهدف، ذلك أنه يمهد السبيل إلى اقتراح آخر أكثر إحكاما وكفاءة"
والمتتبع لتاريخ هذا التوجه الذي بدأه تشومسكي سيدهش من سرعة التغير الذي يمر به، وما ذلك إلا الحيوية التي تميزت بها هذه الدراسة نتيجة للجو العلمي المشبع بالأفكار الجديدة التي تأتي من تبني اللسانيات للمناهج العلمية الدقيقة التي جذبت دارسين على مستوى عال من المعرفة بعلوم شتي كالفيزياء والكيمياء والأحياء وغير ذلك. فلا تمر سنة من غير أن يطرأ تغيير معين على النظرية اللسانية العامة أو النظريات المتفرعة عنها، ومن الملاحظ أن تشومسكي يحتل المقدمة دائما في قيادة هذه التغيرات، وكثيرا ما نجده يتخلى عن أفكاره هو حول قضية ما ويعتنق آراء نقاده، لكنه حين يعتنق تلك الآراء يطورها أكثر فأكثر حتى تصير كأنها أفكاره هو أساسا. وليس قصدي هنا أن أتتبع تلك التطورات فهي