فقد كانوا يتوقون إلى رؤية أسرة إنسانية عظيمة، وقد أزيل التهر عنها، وأصبح يسود فيها العدل بواسطة الحق السيادي (2) ، وتعهد السياسيون، الواحد تلو الأخر بأنهم لن يسمحوا بتكرار هذه الكارثة أبدا.
ولم يكن مصممو عصبة الأمم حالمين، فقد أدركوا أن تلك المنظمة أن تستطيع أداء مهامها إذا لم يتم دعم المثل المرتبطة بها بقوة، ومن ثم، فقد وضعوا في قلب المنظمة مجلسا تنفيذيا تحظى الدول الأقوى آنذاك - وهي: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان - بمقعد دائم فيه، وفي 1929، خرجت ألمانيا من المنفى الدبلوماسي لتنضم إلى هؤلاء الأعضاء الدائمين، وفي البداية، سخر الاتحاد السوفيتي من العصبة باعتبارها ناديا الرأسماليين، لكنه انضم إليها في النهاية، عام 1934، وكانت الولايات المتحدة - التي لعبت دورا فعالا في تأسيس العصبة - الدولة الوحيدة التي لم تشغل قط المقعد الذي عرض عليها
وعلى الرغم من أن العصبة كانت تحوي نخبة من القوى العظمي، فإنه سرعان ما اتضح أن مشاركة هؤلاء لم تتضمن الالتزام بما تتوصل إليه من مواقف، وكانت المناقشات والحلول الوسط - وليست المواجهة - هي الوسائل المفضلة لدى المنظمة وعلق الكثيرين من مهندسي العصبة الأمال على قوة إدانة الرأي العام في كبح جماح الدول المشاكسة أو العدوانية، فقد قال دبلوماسي بريطاني عام 1923:"السلاح الأقوى في حوزة عصبة الأمم ليس السلاح الاقتصادي أو العسكري أو أيا من أسلحة القوة المادية. السلاح الأقوى الذي نحوزه هو سلاح الرأي العام (3) . لقد ركز ميثاق تأسيس العصبة على إجرامات التحكيم وأحكام قضائية مطولة عند تسوية النزاعات، بينما جاءت الأحكام المتعلقة بفرض القوة غامضة."
ولو كانت عصبة الأمم قد نشأت في ظل مناخ سياسي اکثر اعتدالا، ربما كانت قد استطاعت الصمود، فخلال عقد العشرينيات الذي اتسم بالهدوء النسبي، ساعدت العصبة على تسوية العديد من النزاعات، بما في ذلك وضع سارلاند، الإقليم الألماني الذي سيطر عليه الحلفاء بعد الحرب، لكن التحكيم والحوار المفتوح لم يكونا متناسبين