فهرس الكتاب
والله سبحانه وتعالى حكيم عليم في أحكامه الكونية القدرية، وحكيم عليم في أحكامه الدينية الشرعية. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (طريق الهجرتين) :
"بل الأحكام ثلاثة:"
الحكم الأول: حكم شرعي ديني:
فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة؛ بل الانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة؛ فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلًا البتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول.
فإذا تلقي بهذا التسليم والمسالمة، إقرارًا وتصديقًا بقي هناك انقياد آخر،
وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذًا وعملًا؛ فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لا تكون له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله معرفة به، ومحبة له، وعلمًا بأمره، وإرادة لمرضاته، فهذا حق الحكم الديني الشرعي.
الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري، والذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة: والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضًا،