الصفحة 12 من 39

فينازع حكم الحق بالحق للحق؛ فيدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي:"الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والعارف من يكون منازعًا للقدر لا واقفًا مع القدر".

فإن ضاق ذرعك عن هذا، فتأمل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر الله؟، فقال:"نفر من قدر الله إلى قدره".

ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه؛ فإنه إذا جاء قدرالجوع والعطش أوالبرد نازعه وترك

الانقياد له ومسالمته ودفعه بقدر من الأكل والشرب واللباس؛ فقد دفع قدر الله بقدره.

وكذا إذا وقع الحريق في داره، فهذا بقدر الله، فما بالله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟، بل ينازعه ويدافعه بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله.

وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بكل ما يمكنه؛ فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ومن لم يستبصر في هذه المسألة ويعطيها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى، فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه، وأسباب معاشه، ومصالحه الدنيوية، ولا ينازع أقداره في حق مولاه وأوامره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت