الناس لها آنذاك، من حيث دلالة الجنود على مواضع الجيش وتحركاته.
أي أنه لم يكن له راية قماشية خاصة به على المعنى العقدي أو السياسي المتعارف عليه اليوم، بينما الأصل في زماننا أن الأعلام والرايات القماشية تستعمل لمعانٍ عقدية وسياسية، ومعنى ذلك أن قياس استعمال الرايات والأعلام في زماننا على استعمال رسول الله (لها هو قياس خاطئ، لاختلاف العرف في استعمال الرايات بين الزمانين.
وأما راية رسول الله (؛ فلم تكن له راية محددة يرفعها دون غيرها في جميع غزواته، وإنما كانت راياته تختلف أحيانًا بين غزوة وأخرى، ولهذا اختلفت الروايات في تحديد لون وشكل رايته، وقد وفَّق بعض أهل العلم بين هذا الاختلاف بأنه كان لاختلاف الأوقات، كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح [1] .
ولهذا لم يكن للمسلمين على مر تاريخهم واختلاف دُولِّهم راية قماشية واحدة يتناقلونها جيلًا بعد جيل باعتبار أنها راية النبوة، وإنما كانت الراية تختلف بينهم باختلاف الزمان والمكان والقوم.
ومن أمثلة ذلك أن راية بني أمية كانت بيضاء، أما العباسيون فكانت رايتهم سوداء، وبعض خلفائهم زيَّنها بهلال مذهب [2] ، أما الدولتان الزنكية والأموية فلهما رايات تختلف عن ذلك من حيث الشكل واللون [3] .
وأما ما اشتُهِرَ عن كتابة الشهادتين على راية النبي (فلا يصح، وكل ما روي فيه مردود عند النقاد، وهو الأصل الذي بني عليه البعض تصورًا معينًا لراية رسول الله (، وهو أصل باطل، وقد تقرر لدى أهل العلم أن ما بني على باطل فهو باطل.
وليس المراد من ذلك المنع من كتابة الشهادتين على الراية، فهذا أمر محمود، لكن القصد التنبيه على أن هذا الأمر ليس بسنة عن النبي (كما يظن الكثيرون، ويعتبرونه من الواجبات الشرعية، بل من أصول صحة المنهج!، فمسألة شكل الراية القماشية ولونها وما كُتِبَ عليها ليست من المسائل العقدية ولا من مسائل التعبد والنسك والاقتداء الواجب، وإنما هي من مسائل العادات والمباحات [4] .
وينبني على ذلك أنه ليس هناك راية قماشية محددة ينبغي على المجاهدين رفعها، بحجة أنها الراية الشرعية أو أنها راية رسول الله (أو غير ذلك مما يقال.
(1) فتح الباري، 7/ 232.
(2) الموسوعة العربية العالمية، 16/ 402، بتصرف.
(3) مقال:"الرايات في التاريخ العربي والإسلامي".
(4) للتفصيل يراجع مقال:"رايات الشعوب المسلمة واتخاذ الراية السوداء".